حذر تقرير "التنمية الانسانية" في العالم العربي للعام 2004 برعاية الامم المتحدة من "الخراب الآتي" وتداول "قادم للسلطة" عن طريق "العنف المسلح" في حال استمرار "العجز التنموي والقهر في الداخل والاستباحة من الخارج".
واكد التقرير الصادر الثلاثاء عن المكتب الاقليمي للدول العربية في عمان لبرنامج الامم المتحدة الانمائي بمشاركة الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الامم المتحدة الانمائية (اجفند) ان السبيل الوحيد لتنجب ذلك هو الاصلاح السياسي "الحقيقي".
وراى معدو التقرير ان السلطة التنفيذية في الدولة العربية الحديثة "تجسد ظاهرة الثقب الاسود" الذي يحول المجال "الاجتماعي المحيط به الى ساحة لا يتحرك فيها شيء ولا يفلت من اسارها شيء".
وحذر التقرير من ان "استمرار العجز التنموي والقهر في الداخل والاستباحة من الخارج يمكن ان يفضي الى تعميق الصراع (...) وقد يلجأ بعضهم الى اشكال من الاحتجاج العنيف تتزايد معه فرص الاقتتال ما قد يؤدي الى تداول قادم للسلطة يتاتى عن العنف المسلح".
واكد التقرير ان "السبيل لتلافي الخراب الاتي هو التداول السلمي الحقيقي للسلطة من خلال عملية تاريخية يتبناها الجميع (...) في السلطة وخارجها".
وفي مجال تحقيق الاصلاحات، لاحظ التقرير ان "المستقبل العربي قد يتبلور بين الضغط الخارجي الذي يمكن ان يدفع موجة من الاصلاح الداخلي" مشددا على ان "اعطاء اولوية قصوى لاصلاحات ثلاثة لا تحتمل التأجيل ابرزها الغاء حال الطوارئ والقضاء على التمييز ضد الجماعات الاخرى وضمان استقلال القضاء".
واشار الى صلاحيات "اجهزة المخابرات التي تفوق صلاحيات اي جهاز اخر كما انها تمتلك موارد هائلة وتتدخل في قرارات الجهاز التنفيذي حتى اصبح من الشائع اطلاق صفة دولة المخابرات على الدولة العربية المعاصرة".
ولاحظ التقرير "تفاوتا بين الدول العربية في تجسيدها لهذه الملامح"، الا انه رأى ان "القاسم المشترك في الانظمة هو تركيز السلطات في قمة هرم الجهاز التنفيذي والتاكد من ان هامش الحريات المتاح (الذي يمكن تضييقه بسرعة عند اللزوم) لا يؤثر في القبضة الصارمة للسلطة".
كما انتقد "استخدام القضاء العادي والاستثنائي لاقصاء وتحجيم المنافسين والخصوم".
واكد انه "في غياب شرعية مستمدة من ارادة الغالبية (...) تعضد بعض الانظمة الان شرعيتها باعتماد صيغة مبسطة وفعالة لتبرير استمراراها كونها اهون الشرور وخط الدفاع الاخير ضد الاستبداد الاصولي او ما هو اسوأ اي الفوضى وانهيار الدولة، وهو ما اسماه البعض شرعية الابتزاز".
واوضح التقرير انه "مع تاكل شرعية الابتزاز هذه، تعتمد دولة الثقب الاسود على اجهزة الدعاية والتحكم وتحييد النخب ترهيبا وترغيبا والمسارعة الى عقد صفقات مع قوى الهيمنة اقليميا واجنبيا".
وندد ب"القمع وافقار السياسة"، موضحا ان "احزاب المعارضة تعاني فضلا عن قمع رسمي مشكلات داخلية لا تقل خطورة (...) فالممارسة تكشف عن تسلط النخب السياسية في غالبية هذه الاحزاب" بحيث اصبحت "القيادات ابدية لا تنتهي غالبا الا بالوفاة".
ولاحظ وجود "انشقاق طائفي حاد في المجتمع السياسي بين الاحزاب السياسية والعلمانية (مع وجود انقسامات مذهبية وعرقية وقبلية واقليمية) ما دفع ببعض القوى الى تفضيل التعاون مع الحكومات غير الديموقراطية على التعاون مع منافسيها الحزبيين".
وتطرق التقرير الى الجمعيات الاهلية. وقال ان "بعض منظمات المجتمع المدني تعاني من تبعيتها للاحزاب السياسية التي تتخذها واجهة لتوسيع نفوذها (...) ولم تحقق الآمال المعلقة عليها في تجاوز الازمة السياسية بل اصبحت بدورها اسيرة لها".
واكد واضعو التقرير ان "الفساد ياخذ في بعض البلدان شكلا بنيويا بحيث يعتبر الاستغلال الشخصي للمنصب والتصرف في المال العام امرا طبيعيا في العرف السائد"، موضحين ان "الفساد البنيوي لا علاج له الا بصلاح جذري للبنية السياسية".
وتحت عنوان "بدائل المستقبل"، رأى التقرير ان "مسيرة التحديث اسفرت عن انجازات ملحوظة في مجالات مكافحة المرض والنشر الكمي للتعليم وادماج المرأة في المجتمع لكن الدول لم تف بطموحات الشعب في التنمية والامن والتحرر رغم وجود فروقات بين بلد واخر في هذا المضمار".
يذكر ان برنامج الامم المتحدة الانمائي اصدر تقريرين للتنمية البشرية
عامي 2002 و2003 تطرق الاول الى "ثلاثة نواقص اساسية" في العالم العربي تتمثل في ميادين "المعرفة والحقوق السياسية وحقوق المرأة" في حين تناول الثاني الارهاب.
من جهته، قال المدير العام لبرنامج الامم المتحدة الانمائي مارك براون ان التقرير "يركز على قضية مستعصية هي الحرية والحكم الصالح والاصلاح السياسي"، مشيرا الى وجود "قيود على التعرف الى توجهات الرأي العام ورفض عدد من الدول اجراء المسح" اللازم.
وانتقد براون "التخمينات المسيسة التي تعوزها الدقة في غالب الاحيان" تجاه عملية اعداد التقرير "قبل نشره ما اسفر عن صعوبة بالغة في كتابة تقرير محايد ونشوء بعض الاشكالات للبرنامج".
يذكر ان برنامج الامم المتحدة هدد اواخر العام الماضي بعدم نشر التقرير الثالث بسبب عدم تلبيته "المعايير الصارمة للاستقلالية المتوقعة من احدى وكالات الامم المتحدة".
ونفى ان تكون واشنطن لوحت بوقف مساهماتها مستقبلا في موازنة البرنامج حسبما ذكر بعض المشاركين في التقرير.