تصاعدت ردود الفعل الغاضبة على تصريحات البابا بنديكتوس السادس حول الاسلام الجمعة في العالم الاسلامي حيث رأى فيه عدد من رجال الدين "اساءة" للاسلام بينما طالب رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية البابا ب"التوقف عن المس" بالديانة الاسلامية.
ففي غزة قال هنية للصحافيين "باسم الشعب الفلسطيني اعبر عن تنديدنا واستنكارنا للتصريحات التي صدرت عن سيادة البابا حول الاسلام كعقيدة وشريعة" معتبرا ان تصريحات الحبر الاعظم "جافت الحقيقة ومست جوهر العقيدة واساءت الى التاريخ الاسلامي".
ودعا رئيس الحكومة الفلسطينية البابا الى ان "يعيد النظر في هذه التصريحات ويتوقف عن المس بالديانة الاسلامية التي يعتنقها مليار ونصف المليار مسلم في العالم".
وفي غزة افاد شهود عيان فلسطينيون ان انفجارا صغيرا وقع بعد الظهر قرب مكتب تابع لكنيسة دون ان يصب احد.
واوضح شاهد عيان لوكالة فرانس برس ان انفجارا صغيرا وقع قرب بوابة مكتب تابع للشبيبة المسيحية داخل اسوار كنيسة في حي الزيتون ما اوقع بعض الاضرار المادية.
وفي طهران انتقد رجل الدين الايراني المحافظ احمد خاتمي تصريحات البابا معتبرا انها تنم عن "خفة عقل" وحذر من ان المسلمين سيردون.
وقال خاتمي في خطبة الجمعة "من المؤسف ان يكون زعيم المسيحيين بهذا الجهل وقلة الادب". واضاف ان "المسلمين في العالم سيردون كما يجب على هذه الاقوال التي تنم عن خفة عقل" داعيا من يجهل الاسلام الى "تعلمه".
وفي العراق استنكر ائمة مساجد سنية خلال خطب الجمعة "تطاول" البابا بنديكتوس السادس عشر على الاسلام والنبي محمد. وطالب الشيخ محمود العيساوي امام الحضرة القادرية في بغداد الدول الاسلامية "بطرد سفراء الفاتيكان وعدم التهاون مع امر كهذا".
من جهته قال الشيخ طه العبيدي امام مسجد منذر الشاوي "قبل اشهر اساءت الصحافة للرسول وكنا نلتمس الاعذار لها كونهم لا يمثلون الديانة النصرانية لكننا فوجئنا البارحة ان الرجل الاول في النصرانية والقائد الديني والروحي الاول يقول كلمة يهتز لها عرش الرحمن".
اما هيئة علماء المسلمين احدى اهم الهيئات المرجعية للعرب السنة فقد رأت في "الخطاب اساءة كبيرة لمشاعر المسلمين ويتضمن من حيث شعر البابا او لم يشعر تحريضا على الارهاب بحقهم من قبل مؤسسة دينية عالمية تعلن دائما انها تدعم السلام".
اما المساجد الشيعية فلم تتطرق الى تصريحات البابا باستثناء امام مسجد الكاظمية (شمال) الشيخ حازم الاعرجي الذي اكتفى بالتعبير عن "استنكاره" للتصريحات ووصفها بانها "تجاوز على شخصية الرسول".
وفي عمان اعتبر وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية في الاردن عبد الفتاح صلاح تصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر "مسيئة للغاية ومرفوضة" مطالبا الفاتيكان "بتحديد موقفه من هذه التصريحات وبشكل فوري".
واضاف "نستغرب كل الاستغراب أنها تأتي بعد مرحلة تم فيها الكثير من الانجاز فى مجال تعزيز حوار الاديان ابان حياة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني والذي يؤمن مثلنا بضرورة التعايش السلمي بين الديانات والحوار فيما بيننا".
وكان البابا انتقد ضمنا في محاضرة القاها الثلاثاء خلال زيارته المانيا علاقة الاسلام بالعنف و"الجهاد" خصوصا.
وطالبت منظمة المؤتمر الاسلامي الخميس البابا بتوضيح موقفه فيما اعتبر العديد من الشخصيات المسلمة كلامه مسيئا للاسلام وطالبته بالاعتذار عنها.
وردا على موجة الاستياء التي اثارها كلام البابا اكد الناطق باسم الفاتيكان ان بنديكتوس السادس عشر يحترم الاسلام لكنه "حريص على رفض استخدام الدافع الديني مبررا للعنف".
وفي دمشق بعث مفتي سوريا احمد بدر الدين حسون برسالة الى البابا يطلب فيها "استيضاح" ما نسب اليه من "كلام يثير اشكالات فكرية وثقافية ودينية بين اتباع الشرائع السماوية".
وقال المفتي حسون في رسالته التي سلمت للسفارة البابوية فى دمشق "نتوقع ان يكون ما نسب لقداستكم غير صحيح ونأمل في ان نكون جميعا متعاونين على نشر قيم السماء التي تدعو الى التآلف والتعاون وان يكون الفاتيكان مصدرا للسلام العالمي كما الاسلام مصدر للسلام والمحبة والخير".
اما في لبنان فقد افاد مصدر حكومي ان رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة طلب من سفير لبنان في الفاتيكان "استيضاح" حقيقة مضمون كلام البابا.
وقال المصدر لوكالة فرانس برس "فور اطلاعه على ما نشر في وسائل الاعلام عن حديث البابا طلب السنيورة من سفير لبنان في ايطاليا زيارة وزارة خارجية الفاتيكان واستيضاحهم عن الامر". واضاف ان السنيورة سيقوم ايضا "باستيضاح سفير الفاتيكان في لبنان عن الامر للاطلاع على المضمون الحقيقي لموقف البابا".
واستنكر المرجع الديني الشيعي الكبير في لبنان العلامة السيد محمد حسين فضل الله كلام البابا ودعاه الى الاعتذار شخصيا للمسلين. واعتبر فضل الله في خطبة الجمعة في ضاحية بيروت الجنوبية ان "الكلام المنسوب الى البابا يدل على انه لا يملك ثقافة علمية موضوعية عن الاسلام" وطلب منه ان "يقدم الاعتذار شخصيا للمسلمين على هذه القراءة الخاطئة التي لا نريد لموقعه الديني ان يقدمها للعالم".
وقال "لا نقبل اعتذار مصادر الفاتيكان بأن البابا لم يستهدف الحملة على الاسلام بل استغلاله من اجل إثارة العنف لان البابا تحدث عن قضايا فكرية في العقيدة الإسلامية".
وفي باكستان تبنى البرلمان الباكستاني قرارا يطلب من البابا "سحب تصريحاته" التي تربط الاسلام بالعنف في حين نددت وزارة الخارجية بما سمته "جهل" الحبر الاعظم في ما يتعلق بالديانة الاسلامية.
وفي الهند رأت اللجنة الوطنية للاقليات ان تصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر حول الاسلام تشبه الدعوة التي اطلقت الى "الحملات الصليبية في القرون الوسطى".
مقاطع من اقوال البابا في الاسلام
تطرق البابا بنديكتوس السادس عشر الثلاثاء خلال محاضرة في جامعة ريغينسبورغ جنوب المانيا عن العلاقة بين العقل والعنف في الديانة الاسلامية واستشهد بهذه المناسبة بكتاب للامبراطور البيزنطي مانويل الثاني (1350-1425).
وفي هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "حوارات مع مسلم المناظرة السابعة" وقدمه ونشره في الستينات عالم اللاهوت الالماني اللبناني الاصل تيودور خوري من جامعة مونستر (غرب) يعرض الامبراطور الحوار الذي اجراه بين 1394 و1402 على الارجح مع علامة فارسي مسلم.
وفي تعليق على فقرات من "المناظرة السابعة" تحدث استاذ اللاهوت السابق بنديكتوس السادس عشر عن العلاقة بين الايمان والعقل والعنف في المسيحية وفي الاسلام.
في ما يلي ترجمة للنص الفرنسي الذي يستند الى النص الالماني الذي قدمه الفاتيكان لمقاطع من تصريحاته:
"يستند الحوار الى مفهوم الايمان برمته الذي وصف في الكتاب المقدس والقرآن ويتعلق خصوصا بصورة الله والانسان مع العودة بالضرورة وباستمرار الى العلاقة بين ما نسميه +الشرائع الثلاث+: العهد القديم والعهد الجديد والقرآن.
"في هذا الخطاب اريد ان اتطرق الى نقطة واحدة فقط -- هامشية نسبيا في الحوار --اسرتني وتتعلق بموضوع الايمان والعقل وتشكل نقطة انطلاق لتأملاتي في هذا الموضوع.
"في المناظرة السابعة التي حررها البروفسور خوري يتطرق الامبراطور الى موضوع الجهاد.
كان الامبراطور يعرف ان الآية 256 من السورة الثانية (سورة البقرة) تقول (لا اكراه في الدين) -- وقال الخبراء ان هذه واحدة من اوائل السور وتعود الى الحقبة التي لم يكن لمحمد سلطة فيها وكان مهددا.
"لكن الامبراطور كان يعرف ايضا وصايا الجهاد التي كانت بطبيعة الحال متضمنة (...) في القرآن. وبدون ان يتوقف عند التفاصيل مثل الفرق في معاملة (المؤمنين) و(الكفار) يطرح على محاوره بفظاظة مفاجئة بالنسبة لنا السؤال المركزي حول العلاقة بين الدين والعنف.
"ويقول (ارني ما الجديد الذي جاء به محمد). لن تجد الا اشياء شريرة وغير انسانية مثل امره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف.
"ويفسر الامبراطور بعد هذه الكلمات القوية جدا من ثم بالتفصيل لماذا يكون نشر الايمان بالعنف مناف للعقل. فعنف كهذا مخالف لطبيعة الله ولطبيعة الروح.الله لا يحب الدم والعمل بشكل غير عقلاني مخالف لطبيعة الله. الايمان هو ثمرة الروح وليس الجسد. من يريد حمل احد على الايمان يجب ان يكون قادرا على التحدث بشكل جيد والتفكير بشكل سليم وليس بالعنف والتهديد.. لاقناع روح عاقلة لا نحتاج الى ذراع او سلاح ولا اي وسيلة يمكن ان تهدد احدا بالقتل.
"الجملة الحاسمة في هذه المحاججة ضد نشر الدين بالعنف هي +العمل بشكل مناف للعقل مخالف لطبيعة الله+.
"يعلق المحرر تيودور خوري في هذا الشأن: بالنسبة للامبراطور وهو بيزنطي تعلم من الفلسفة الاغريقية هذه المقولة واضحة. في المقابل بالنسبة للعقيدة الاسلامية الله ليس مطلق السمو وارادته ليست مرتبطة باي من مقولاتنا ولا حتى بالعقل.
"يذكر (تيودور) خوري في هذا الشأن كتابا للعالم الفرنسي في الشؤون الاسلامية (روجيه) ارنالديز (توفي في نيسان/ابريل الماضي) الذي قال ان ابن حزم (الفقيه الذي عاش في القرنين العاشر والحادي عشر) ذهب الى حد القول ان الله ليس ملزما حتى بكلمته ولا شىء يلزمه على كشف الحقيقة لنا. ويمكن للانسان اذا رغب ان يقوم بعبادة الاوثان".