يواجه الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي تثقل كاهله مشاكل الشرق الاوسط من إيران إلى سوريا وابعد من ذلك مشكلة جديدة وقديمة في آن واحد.. العراق.
قال مسؤولون امريكيون ومحللون في الشرق الأوسط إن عوامل التوترات العرقية المستمرة التي تؤججها الحرب في سوريا تضافرت لتتصاعد أعمال العنف لأعلى مستوى منذ ان سحب أوباما اخر جندي من القوات الامريكية في العراق في ديسمبر كانون الأول 2011.
وتجدد التمرد السني ضد الحكومة في بغداد التي يقودها الشيعة وكانت هزيمة التمرد السني أحدى الثمار المهمة لقرار الرئيس الامريكي السابق جورج بوش زيادة اعداد القوات في العراق في عام 2007.
وألقت الحرب الاهلية في سوريا التي راح ضحيتها 80 ألف شخص بظلالها على الوضع المتدهور في العراق والذي قاد لما وصفه مسؤولون امريكيون بجهود مكثفة وسرية في معظمها لكبح أعمال العنف ودفع الاطراف العراقية لاستئناف المفاوضات السياسية.
وانفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات وفقدت 4500 جندي خلال الحرب التي استمرت ثمانية اعوام لمحاولة ان تضفي على العراق -الغني بالنفط وصاحب الموقع الاستراتيجي- وجها ديمقراطيا.
وفشل العراقيون في التوصل لاتفاق دائم لاقتسام السلطة ما يهدد استقرار البلاد على الأمد الطويل.
وأذاع البيت الأبيض أن نائب الرئيس الامريكي جورج بايدن المسؤول عن ملف العراق في إدارة أوباما اتصل هاتفيا برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ورئيس كردستان مسعود البرزاني ورئيس البرلمان أسامة النجيفي يومي الخميس والجمعة.
وجاء في بيان صادر عن مكتب بايدن يوم الجمعة ان نائب الرئيس ابدى في اتصاله مع المالكي "قلقه إزاء الوضع الامني" وتحدث عن أهمية "التعاون بين قادة جميع الاطياف السياسية".
وتهدف الدبلوماسية الامريكية في جانب منها لاقناع المالكي وقوات الامن بعدم المبالغة في رد الفعل تجاه اي تجاوزات. ويتهم معارضون المالكي بانه بسعى لتنفيذ اجندة طائفية تهدف لتهميش الاقليات وتوطيد اركان الحكم الشيعي.
واندلعت شرارة أحدث أعمال عنف في اواخر ابريل نيسان في ساحة احتجاج في الحويجة قرب مدينة كركوك المتنازع عليها حيث قتل أكثر من 40 شخصا في اشتباكات بين مسلحين وقوات الأمن العراقية.
وقال مسؤول أمريكي إن إدارة اوباما تعاونت بشكل وثيق مع الجانب العراقي عقب اشتباكات الحويجة للحيلولة دون مزيد من التصعيد بعد ان طوقت القوات العراقية مسلحين سيطروا على بلدة قريبة. وحثت واشنطن القوات العراقية على عدم الافراط في استخدام قوة النيران وتمت تسوية الامر بالاتفاق مع زعماء العشائر.
وقال المسؤول الذي طلب الا ينشر اسمه "لا أريد المبالغة في تصوير نفوذنا ولكن هذا ما نفعله خلف الكواليس. حين تكون هناك أزمة حقيقية يهرعون جميعا الينا.. نحن الطرف المحايد."
ويقول آخرون إن النفوذ الامريكي ينحسر وان التراجع بدأ حتى اثناء وجود القوات الامريكية هناك.
وصرح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري لمحطة سي.ان.ان التلفزيونية "فقدنا جهود وسيط نزيه.. كان الولايات المتحدة (هذا الوسيط) في وقت سابق."
وأكثر ما يقلق المسؤولون والمحللون الامريكيون الذين يتابعون الوضع في العراق عن كثب تجدد أعمال العنف من جانب السنة وجماعات مثل دولة العراق الأسلامية التي يعتقد بمسؤوليتها عن تفجيرات تهدف لاشعال الصراع في البلاد.
وقال مايكل نايتس من معهد واشنطن لسياسات الشرق الادني الذي يدرس شؤون العراق منذ سنوات ويسافر إليه كثيرا ان حوادث العنف زادت إلى 1100 حادثة شهريا من 300 في نهاية 2010.
وعقب اشتباكات الحويجة قال المسؤول الأمريكي "لاول مرة منذ بضع سنوات نرى اشخاصا ملثمين وقذائف صاروخية واسلحة ثقيلة في الشوارع بهذه الكثافة."
ووصف تصاعد التفجيرات الانتحارية التي تنفذها القاعدة في العراق بانه مبعث قلق شديد مضيفا أن مثل هذه الجماعات يمكن ان تربك الجهود السياسية الرامية لحل النزاع.
وقال المسؤول متحدثا عن العنف "لن اصفها بزيادة ملحوظة من الناحية الاستراتيجية بعد.. نحن في مرحلة ما بعد الحرب الاهلية وفترة فراغ قبل المصالحة."
وجددت الانتكاسات في العراق انتقادات المعارضين لقرار أوباما سحب القوات الامريكية من البلاد وعدم ترك قوة هناك. وقال البيت الابيض انه عجز عن ابرام اتفاق سياسي مع السنة والشيعة والاكراد بشأن قانون يسمح باستمرار وجود قوات امريكية هناك.
وفي جلسة لمجلس الشيوخ الشهر الماضي سأل السناتور جون مكين الذي كان يعارض سحب القوات ديريك تشوليت مساعد وزير الدفاع عما آلت اليه الاوضاع في العراق مقتبسا مقولة اوباما "ان مد الحرب ينحسر".
فاجاب تشوليت "اعتقد أن العراق صار أكثر استقرارا مما كان يعتقد البعض قبل عدة سنوات."
فقال مكين "حقا هل تعتقد ذلك حقا". وحين رد تشوليت بالايجاب هاجمه السناتور قائلا "إذا انت غير مطلع على الوضع."
وتقترب اعمال العنف في العراق -التي شهدت مواجهات ناجمة عن حركة احتجاج سنية وتفجير سيارات وهجمات على المساجد- من مستواها في الفترة بين عام 2006 و2008.
غير ان كينيث بولاك المسؤول السابق بوكالة المخابرات المركزية والبيت الابيض والذي يعمل حاليا بمركز سابان لسياسات الشرق الأوسط في معهد بروكينجز "اعتقد اننا سنشهد قدرا كبير من العنف الطائفي. السؤال هو : إلى اي مدى سيتدهور الوضع؟"
ويقول مسؤولون ومحللون إن القتال في سوريا بين معارضة سنية وحكومة الرئيس السوري بشار الاسد ليست السبب الرئيسي لمشاكل العراق.
ويرون أن فشل العراق في التوصل لاتفاق دائم لاقتسام السلطة بين الجماعات الطائفية والعرقية هو السبب. ويشعر السنة بالعزلة والتهديد ما ادي لانطلاق حركة احتجاجية في ديسمبر كانون الاول.
ويقول بولاك ان الحرب في سوريا "عجلت" بالامور في العراق.
وذكر المسؤول الأمريكي "نري السنة والشيعة يتوجهون لسوريا للقتال. يشجع بشكل ما على هذا الاستقطاب الطائفي الى حد ما."
ويقول ان العراقيين غالبا مايتابعون الصراع في سوريا من خلال لقطات فيديو تذاع على موقع يوتيوب.
ويضيف أن السنة يتابعون أعمال العنف التي ترتكبها حكومة الاسد في حين يشاهد الشيعة تجاوزات مخيفة للمعارضة.
وتابع "يشاهدان عالمين موازيين يختلفان كليا."