أتاحت أمواج المد العاتية (تسونامي) التي وقعت بالمحيط الهندي عام 2004 فرصة للسلام الذي أنهى حركتين متمردتين امتدتا لفترة طويلة بقارة آسيا.
ففي اقليم اتشيه باندونيسيا قادت واحدة من أسوأ المصائب في التاريخ الى اتفاق سلام تاريخي وأصبح المتمردون السابقون يحكمون اقليما كان خاضعا ذات يوم للحكم العسكري.
لكن في سريلانكا اعتبر نمور تحرير تاميل ايلام تسونامي فرصة لاعادة التسلح قبل أن يستعد الجانبان للقتال الاخير في حرب استمرت ربع قرن.
وفي حين سددت الكارثة التي أسفرت عن مقتل 226 ألف شخص في أنحاء المحيط الهندي ضربة قاتلة للمنطقتين فان مستقبلهما على طريق الصراع ربما تأثر بالطبيعة البشرية اكثر مما تأثر بقوة الطبيعة.
وقال روهان جوناراتنا المحلل المتخصص في شؤون الارهاب ويتخذ من سنغافورة مقرا له "حسن دي تيرو زعيم حركة اتشيه الحرة كان مصمما بشدة على حل المشكلة وكان يبحث عن كل فرصة لانهاء القتال... كان ملتزما بصدق بالسلام."
لكن هذا لم يكن الحال بالنسبة لمؤسس حركة نمور التاميل فيلوبيلاي براباكاران الذي قتل في المعركة الاخيرة بحرب سريلانكا في 18 مايو أيار.
وقال جوناراتنا رئيس المركز الدولي لابحاث العنف السياسي والارهاب بجامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة "براباكاران كان يبحث عن كل فرصة لزيادة قوته العسكرية وانزال هزيمة عسكرية بالحكومة السريلانكية."
ومن الاختلافات الكبيرة الاخرى أن أمواج المد ألحقت أضرارا اكبر كثيرا بأتشيه اذ أنها كانت تبعد 150 كيلومترا عن مركز الزلزال الذي بلغت قوته 9.15 درجة وسبب الامواج العاتية مما هيأ مناخا كان تحقيق السلام فيه اكثر الحاحا.
وقال الرئيس الامريكي الاسبق بيل كلينتون في مقابلة مع رويترز الاسبوع الماضي في الذكرى الخامسة لهذه الكارثة ان أتشيه كانت مدمرة بدرجة كبيرة بحيث كان السبيل الوحيد امام الناس للتعافي هو العمل سويا.
وأضاف كلينتون مبعوث الامم المتحدة الخاص لاعادة اعمار المناطق المتضررة من تسونامي ان الاضرار التي لحقت بمناطق الصراع في سريلانكا لم تكن بنفس الدرجة من العمق و"لم يكن لديهم ما يكفي للقيام به معا وبالتالي لم يستطيعوا تصور العودة الى أسلوب اخر للقيام بالامور."
وضغط كلينتون الى جانب منظمات دولية مانحة أخرى بشدة في سريلانكا من أجل "آلية لاقتسام المساعدات" كانت ستجمع الحكومة والمتمردين كشركاء في اعادة البناء بعد تسونامي في مناطق الصراع.
ووصل الجانبان الى اتفاق فاتر بعد أشهر من المفاوضات لكنه لم ينفذ قط.
وعرض متمردو اتشيه وقفا لاطلاق النار في 28 كانون الاول/ديسمبر 2004 بعد أربعة أيام من تسونامي مما سمح للجيش الاندونيسي بالمساعدة في تنسيق عملية اغاثة طارئة هائلة.
وعندما صدرت تعهدات بمساعدات خارجية قيمتها نحو سبعة مليارات دولار لاعادة اعمار أتشيه قرر متمردو حركة اتشيه الحرة ابرام اتفاق للسلام ولعب الرئيس الفنلندي السابق مارتي اهتيساري دور الوسيط.
وكان الدعم الدولي ضروريا.
ويقول عدنان بيورانسياه المتحدث باسم المتمردين سابقا والذي أصبح الان عضوا بالمجلس الاقليمي "لم يكن الاتفاق بين حركة اتشيه الحرة والحكومة الاندونيسية فحسب... دعمنا الاتفاق لان الاتحاد الاوروبي شارك فيه للحفاظ على عملية السلام والتكامل في اتشيه."
وحين ضربت أمواج المد سريلانكا كان قد مر عامان على هدنة هشة بين نمور تحرير تاميل ايلام والحكومة. لكنهم كانوا منشغلين باعادة التسلح من أجل قتال اندلع في المرحلة الحاسمة من الحرب الاهلية التي دامت طويلا في أواخر تموز/يوليو 2006.
وكان تدفق أموال المساعدات للاغاثة من تسونامي بعد الحرب وسيطرة نمور تحرير تاميل ايلام على أجزاء من شمال وشرق سريلانكا يعني أنهم يستطيعون أن يملوا الشروط على وكالات الاغاثة وينشئوا في نهاية المطاف منظمة التاميل للاصلاح.
وتبين فيما بعد أن منظمة التاميل للاصلاح هي واجهة لجمع التبرعات لنمور تحرير تاميل ايلام جمعت عشرات الملايين من الدولارات التي تم تحويلها لخزائن المتمردين لبناء ترسانة يمكن أن تضاهي ترسانات جيوش أخرى قائمة.
وحظرت واشنطن منظمة التاميل للاصلاح لتمويلها حركة نمور تحرير تاميل ايلام المدرجة على قوائم المنظمات الارهابية الخاصة بالولايات المتحدة واكثر من 30 دولة أخرى.
ويقول اقبال اثاس المحلل بمجلة جين الدفاعية الاسبوعية "الكثير من أموال المنظمات غير الحكومية منحتهم الفرصة لتعزيز قوتهم في المناطق الساحلية."
وأضاف "في كل الاحوال كانوا يعيدون تسليح أنفسهم ولم يكن لتسونامي أي أثر على تلك الخطط."
وكلفت أمواج المد النمور جزءا من أسطولهم من الزوارق الصغيرة التي كانوا يستخدمونها في الهجمات والعديد من مخابيء الاسلحة المدفونة.
وقال فيناياجامورثي موراليتاران في مقابلة مع رويترز العام الماضي ان أمواج الزلزال البحري المميتة دمرت ايضا مجموعة قيمة من أسلحة المتمردين هي صواريخ أرض جو.
ولم تتبق الا حفنة في أيدي النمور في العامين الاخيرين من الحرب وقال مسؤولون عسكريون ان هذه كانت لحماية براباكاران.
جعل هذا نمور تحرير تاميل ايلام عرضة لهجمات طائرات الهليكوبتر التي شنتها القوات الجوية السريلانكية على مواقع المتمردين لاضعاف المقاومة قبل أن تتقدم القوات على الارض وقد وفر هذا أفضلية كبيرة للحكومة.
وبحلول اغسطس اب عام 2005 كان متمردو اتشيه مستعدين لتوقيع اتفاق سلام تاريخي والمشاركة في اعادة اعمار اقليمهم الغني بالنفط والخشب.
بحلول ذلك الموعد في سريلانكا كان اتفاق اقتسام المساعدات بعد تسونامي التي بلغت قيمتها ثلاثة مليارات دولار الذي وقعته الحكومة في يونيو حزيران على مضض تحت ضغط من كلينتون والمانحين الدوليين قد تداعى بعد أن أوقفت المحكمة العليا تنفيذه.
بعد ذلك أنشأ نمور تحرير تاميل ايلام منظمة التاميل للاصلاح واستعد الجانبان للحرب.
وقال جوناراتنا "تطلعت واحدة لاستغلال فرصة تسونامي لبناء السلام بينما استغلت الجماعة الاخرى الفرصة للاستفادة من الموارد المالية التي جاءت نتيجة لها."