تسونامي في وسائل إعلامنا أو ”الفشل الكبير”

تاريخ النشر: 08 يناير 2005 - 07:22 GMT

عمان - برنامج "عين على الإعلام"

كتب: محمد عمر

– خاص لـ"عمان نت"

نهايات العام الماضي، كشفت لنا الطبيعة عن غضبها، وعلمتنا من الأسماء اسم "تسونامي"، وبات صغيرنا قبل كبيرنا يعرف موجات المد العاتي التي تعقب الزلزال. ولكنها علمتنا أيضا اسما جديدا لتسونامي، هو فشلنا الإعلامي الكبير. فكما عرت أمواج المحيط الهندي جثث مئات الآلاف من الفقراء فقد كشفت أيضا عرينا وزيف إنسانيتنا، وعجز ونفاق وسائل إعلامنا.

تسونامي بين إعلامين

منذ لحظة وقوع كارثة التاريخ في آسيا وعلى مدار أسبوع كامل، تحولت متابعتها إلى الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الغربية، التي سارعت إلى إرسال صحفييها وطواقمها إلى الدول المنكوبة. واحتلت الكارثة الصفحات الأولى والمانشيتات الرئيسية دافعة بكل القصص الإخبارية الأخرى إلى الصفحات الداخلية. فزاد عدد القراء والمشاهدين وحققت شبكة الـ"سي.ان.ان" زيادة في عدد مشاهديها بنسبة 75 في المئة و"فوكس نيوز" بنسبة 18 في المئة. واحتفت القناتان بالزيادة بعد أن كان عدد المشاهدين في تناقص مستمر بسبب عدم ثقتهم بتغطية القناتين للحرب على العراق تحديدا من خلال الصحفيين المرافقين للجيش الاميركي.

وكتبت الصحف الغربية مئات القصص، فصحيفة "الغارديان" البريطانية على سبيل المثال لا الحصر، غطت الحدث خلال أسبوع بـ522 مادة إخبارية بجهودها الخاصة ودون الاعتماد على وكالات الأنباء.

وخصص تلفزيون "بي.بي.سي" مبلغ 2.8 مليون جنيه إسترليني، لإعداد مواد وثائقية عن الكارثة، وهو المبلغ الأعلى الذي تنفقه الـ"بي.بي.سي" على برنامج وثائقي في تاريخها.

ورصد تقرير "نيلسن" الإعلامي تغطية غير مسبوقة للحدث منذ 15 عاما، في وسائل الإعلام الاميركية وخاصة المرئية منها.

وهاجمت وسائل الإعلام الغربية، بدون هوادة حكومات بلادها، فطالبت الصحف البريطانية رئيس الوزراء طوني بلير بقطع إجازته في البحر الأحمر، واتهمته بالعنصرية والبلادة ووصفت حكومته بالبخل، وكذلك فعلت صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" الاميركيتان اللتان حملتا على الرئيس جورج بوش بشدة واتهمته بالبخل وفضحتا ادعاءات إدارته من أنها اكبر مانح للمساعدات الخارجية. وهاجمت صحف السويد رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية التي "فضلت الذهاب الى المسرح" ليلة وقوع الكارثة.

وأجبرت "السلطة الرابعة" الغربية، حكومات بلادها على التفاعل مع الكارثة فعاد بلير وبوش إلى مقار عملهما وأجبرت الحكومة البريطانية على رفع مبلغ المساعدات من 15 مليون جنيه إسترليني إلى 90 مليونا، ورفع بوش مساعدات إدارته من 35 إلى 350 مليون، معلنا عن تشكيل ائتلاف دولي لإنقاذ الدول المنكوبة، ووقع قرارا بتشكيل لجنة تبرعات خاصة برئاسة جورج بوش الأب وبيل كلينتون وأرسل بوزير خارجيته إلى الدول المنكوبة. وتنادى رؤساء الاتحاد الأوربي لعقد قمة لبحث مساعدة الدول المتضررة.

وقادت وسائل الإعلام الغربية أضخم حملة تبرعات، وسجلت الصحف البريطانية السبق في عملية التبرع، ومثالا على ذلك فقد تبرعت يومية "ديلي ميل" البريطانية بعشرة آلاف جنيه إسترليني وكذلك فعلت "الانتديبيندات" و"ديلي اكسبرس"، وبالتنسيق مع الجمعيات الأهلية جمع المواطن البريطاني خلال أربعة أيام فقط مبلغ 40 مليون عندما كانت الحكومة خصصت 15 مليونا. وتمكنت حملة التبرعات التي قادتها وسائل الإعلام الإيطالية من جمع 11 مليون يورو حتى تاريخ 31 كانون الأول الماضي.

وخصصت الصحف ووسائل الإعلام الغربية مساحات لأرقام هواتف وعناوين الجمعيات الأهلية وأهالي المفقودين والمنكوبين الراغبين بالاستفسار عن ذويهم وهواتف الوزارات المعنية، ونشرت أرقام حسابات التبرعات.

وقبل أن نرجم بالتحيز، فقد اعترى عمل وسائل الإعلام الغربية الكثير من الأخطاء والعثرات بل والخطايا، ولكن عين المراقب لم تغب فقد خصصت النشرات والمواقع المعنية بأداء وسائل الإعلام مساحات واسعة لمراقبة هذه التغطية منتقدة بشدة تحيز وسائل الإعلام الغربية وتركيزها على السياح الأجانب ونشر صور "البيض"، ونفاقها خاصة في تغطيتها للحرب على العراق. فكتب موقع "كونتربونش" في 31 الشهر الماضي تقريرا اتهم فيه وسائل الإعلام الاميركية بأنها لم تعنى بعدد القتلى المدنيين في العراق. وفي تقرير لموقع "كموون دريمز" (30/12) قال أن وسائل الإعلام الاميركية تجاهلت مقتل أكثر من 100 ألف عراقي خلال عام، وغطت على التكاليف الفعلية للحرب، واتهم التقريران وسائل الإعلام بالانحياز للإدارة الاميركية. وقد أدت هذه الرقابة إلى إعادة الكثير من وسائل الإعلام الغربية إلى جادة الصواب وتدارك نفسها، وبدأت القصص عن السياح الأجانب الذين قتل منهم أيضا أكثر من 10 آلاف شخص، تخبو لصالح التركيز على المنكوبين الآسيويين.

من الواضح، أن وسائل الإعلام الغربية تعاملت وتفاعلت مع النبأ العظيم بجدارة كبيرة، واستحقت أن تكون سلطة رابعة راقبت وحاسبت حكوماتها وبرلماناتها ومؤسسات مجتمعها الأهلي، وأعادت ثقة المتلقي بها من جديد، وشكلت رأيا عاما متعاطفا مع كارثة الزلزال تجلت احد مظاهره في فرض حداد عام على احتفالات رأس السنة وحملة تبرعات لم يشهد لها التاريخ مثالا، ووقفت أوروبا جميعها في الخامس من الشهر صامتة ثلاث دقائق حدادا على أرواح ضحايا تسونامي. وقادت وسائل الإعلام مؤسسات المجتمع المدني ودفعتها للتحرك بفاعلية.

هل كان ذلك إعادة اكتشاف لإنسانية الغرب، أم احد مظاهر العولمة، أم مصالح للدول الغربية؟ لا يهم فالدول مصالح وليست جمعيات خيرية، وقد أدركت وسائل الإعلام مصالحها ومصالح بلدانها ورعاياها، وعبرت بعضها، وخاصة المستقلة منها، عن مشاعر إنسانية حقيقة.

ماذا عنا، على أي منقلب انقلب إعلامنا؟

في بلادنا، لا بواكي لمائتي ألف ضحية، بينهم مائة ألف مسلم على اقل تقدير. فوسائل إعلامنا، وخاصة صحفنا اليومية والأسبوعية، المنوط بها لعب دور السلطة الرابعة وحاملة "الرسالة الإنسانية"، وصانعة الرأي العام تعاملت باستخفاف مع الحدث وسقطت بجدارة في امتحان المهنية والإنسانية والمصلحة.

منذ السادس والعشرين من الشهر الماضي وحتى الخامس من الشهر الحالي، تتبعنا تغطية الصحف اليومية والأسبوعية المحلية جميعها للحدث، ونسجل التالي:

نشرت الصحف اليومية الرئيسية الأربع "الرأي، الدستور، العرب اليوم والغد" حوالي 50 مادة خبرية فقط، جميعها نقلا عن وكالات الأنباء العالمية "الفرنسية، رويترز" وبضعة أخبار عن "وكالة الأنباء الألمانية" وأربعة أخبار تقريبا نقلا عن وكالة الأنباء الرسمية "بترا" أحدها مقابلة مع العالم المصري زغول النجار مأخوذة عن قناة "الجزيرة" وتجاهلت "بترا" ذكر مصدر الخبر.

وخلت الصحف من أي متابعة خاصة، باستثناء مقابلة أجرتها (العرب اليوم 30/12) مع احد المواطنين الأردنيين الناجين من جزر المالديف.

لم ترسل أي من الصحف الرئيسية أي مراسل لها إلى المناطق المنكوبة، رغم أن بعضها يحقق أرباحا طائلة مثل صحيفة "الرأي"، ورغم أن بعضها وجد في وسعه إرسال مندوبين إلى مناطق أخرى في مناسبات أخرى مثل معرض فرانكفورت للكتاب في ألمانيا بل أن بعضها أرسل أكثر من صحفي.

صحيفة "الديار" كانت الأضعف بامتياز في تغطيتها للكارثة، فلم تنشر أكثر من 10 أخبار أرفقت قلة منها بصورة بالأسود والأبيض، وغابت التغطية عن الصحيفة عدة أيام، ففي يوم (29/12) اكتفت بنشر خبر قصير عن "الملك يعزي بضحايا الزلزال" وفي (30-31/12) اكتفت بخبر قصير على الأولى مع تتمة قصيرة على الصفحة السابعة وفي (3/1) نشرت خبرا قصيرا في الصفحة 7 مرفقا بصورة.

لم تكلف الصحف الأردنية نفسها وسع التحقيق فيما إذا كان هناك رعايا أو سياح أردنيين في المناطق المنكوبة عبر أي طريق، والخبر الوحيد في هذا الشأن نقلته صحف "الرأي، الدستور، العرب اليوم، والديار" عن وكالة "بترا". فيما تابعت "الغد (29/12)" الموضوع، وأجرت هيلين العمد اتصالات بالسفارة الأردنية باندونيسا وبنائب المدير العام في الملكية الأردنية وبعض العاملين في مكاتب السياحة والسفر وجميعهم اكدوا على عدم وجود معلومات عن مفقودين اردنيين في الكارثة. كما تابع يوس الشايب في "الغد" ايضا (5/1) من رام الله احتمالات وقوع زلزال في المنطقة في تحقيق بعنوان "الزالزال الكبير يقترب من الاراضي الفلسطينية والاردن".

في الشأن المحلي أيضا، نشرت الصحف وخاصة "الرأي"، ثلاثة أخبار فقط عن الجسر الجوي للمساعدات وعن المعونات إلى سيرلانكا التي أمر الملك بإرسالها وتعازيه بالضحايا أيام (29 و30 و 31/12) وعن تسليم مساعدات لاندونيسيا ومستشفى ميداني في (5/1) وجميعها نقلا عن "بترا". وسارعت صحيفتي "الرأي والدستور" إلى كتابة افتتاحيتين في (31/12) أشادت بموقف الملك.

الفنان عماد حجاج امتاز من بين زملائه وكان الأكثر رسما في متابعة الحدث، فنشر أربع رسوم كاريكاتورية على الصفحة الأخيرة لـ"الغد"، فيما رسم جهاد العورتاني رسما واحدا ظهر في "الدستور" (3/1) قارن فيه بين "تسونامي وأمواج الدم العراقي والفلسطيني".

لم تنبس الصحف المحلية بأي انتقاد لأداء الحكومة التي لم تحرك ساكنا إزاء الكارثة، قبل أن يتدخل الملك شخصيا ويأمر بإرسال المساعدات في (29/1). ولم تنتقد أو تحفز مؤسسات المجتمع المدني على التعاطف أو التبرع لضحايا الكارثة. وكانت الصحف ووسائل الإعلام ومن ثم الحكومة، في هذا السياق، عبئا على أداء الملك، الذي كان زار عدة دول منكوبة في الأشهر الماضية، سعيا منه لتحسين علاقات الأردن بهذه الدول ولم تدرك كنظيراتها الغربيات أهمية إبداء التعاطف مع المنكوبين في صيرورة تحسين صورة الأردن والعرب والمسلمين، إضافة إلى وجود مئات الآلاف من رعايا هذه الدول في الأردن وكان من شأن إبداء التضامن ولو بأضعف الإيمان أن يترك أثرا ايجابيا لدى كل هؤلاء هذا إذا تركنا البعد الإنساني جانبا. وقد تنبهت لكل ذلك، صحيفة "القبس" الكويتية وحدها، وانتقدت الحكومة الكويتية بشدة وطالبت بتخصيص 100 مليون دولار مساعدات.

وأكثر من ذلك، فقد تجاهلت الصحف المحلية الانتقادات التي وجهها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الإغاثة الطارئة، يان ايغلاند، لدول الخليج العربي على تقصيرها في إرسال المعونات، وأبرزت فقط انتقاداته للولايات المتحدة والدول الغربية الغنية. كما تجاهلت الانتقادات التي وجهتها وسائل إعلام غربية للأنظمة العربية واستياء المواطن العربي من ضآلة المساعدات، خاصة انتقادات شبكة "سي.ان.ان" و"نيويورك تايمز" ونشرتها بعض الصحف العربية في (5/1). وجاءت هذه الانتقادات على خلفية مقال "القبس" الذي تجاهلته أيضا الصحف الأردنية رغم أن وكالات الأنباء وزعته على نطاق واسع.

وكان من شأن هذه الانتقادات أن بدأت الدول العربية الإحساس بعظم المصيبة، وضعف موقفها بين الأمم، فزادت مساعداتها وخصصت السعودية يوما تلفزيونيا "تلثيون" لجمع التبرعات، وتبعتها لاحقا فضائيات عربية أخرى.

برزت صحيفة "الغد" بكثرة الصور الملونة، ونشرت جميعها تقريبا بأحجام كبيرة على ثمانية أعمدة وأكثر سواء على الصفحة الأولى أو على الصفحات الداخلية.

لم يشكل خبر الكارثة عنوانا رئيسا للصحف اليومية على الصفحة الأولى، سوى ليوم عند بعضها ويومين عند البعض الآخر: في "الرأي والدستور" كان مانشيتا رئيسا ليوم (27/12) فقط، و"الغد" يوم (1/1)، ثم تراجع لحساب أخبار العراق وفلسطين بشكل عام، وغاب نهائيا عن الصفحة الأولى عند "الرأي" في أيام أخر، ففي يوم 29/12 رحل الخبر إلى الجزء الثاني. في "العرب اليوم" كان مانشيتا في (27 و29/12).

ماذا قال كتاب الأعمدة في المأساة؟

من بين حوالي 560 مقالا تجد طريقها إلى النشر في الصحف اليومية أسبوعيا، كتب معلقو الصحف خلال العشرة أيام من 27 كانون الأول وحتى 5 كانون الثاني، 31 مقالة فقط، وبعضها أشار لمما للموضوع. (12 مقالا في الدستور، 6 في الغد و 8 مقالات في الرأي) ونشرت "الرأي" في (31/12 و 5/1 ) مقالين مترجمين وأعادت في (4/1) نشر مقال بعنوان "ارتدادات" لعبد الوهاب بدرخان رئيس تحرير صحيفة "الحياة". ونشرت صحيفة "الغد" 3 مقالات مترجمة،في (2 و 3 و 5/1)، والاخير مقال مترجم عن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية حول إرسال فريق إسرائيلي للبحث عن اليهود الموتى أو المفقودين. أما صحيفة "الديار" فلم يكتب فيها أي تعليق، ولم تنشر "الدستور" أي ترجمة.

قبل عرض وتحليل مقالات المعلقين، فان أكثر ما يلفت النظر، هو غياب الكارثة عن الصفحات الثقافية، التي تعج بالعادة بالمواد المترجمة أو المقالات حول المثقفين والأدباء والآداب العالمية، وباستثناء خاطرة لخيري منصور بـ"الدستور" (30/12) بعنوان "ذيل السنة"، ومقال للشاعر عثمان حسن ظهر بـ"الدستور" ايضا، في (2/1) بعنوان "توصيف الكارثة"، فقد اغمض المثقفون اعيونهم وسدوا اذانهم عن تراجيديا العصر.

لقد وجد اغلب الكتاب الذين علقوا على الكارثة فرصة جديدة لهجاء اميركا وإسرائيل واثبتوا مرة أخرى أنهم سلطة رابعة على الإدارة الاميركية وعلى الحكومة الإسرائيلية وليس على أحد آخر.

- خليل السواحري كان أشدهم، وكتب مقال في صحيفة (الدستور 3/1) ربما لا يحتاج إلى تعليق، بعنوان "فتش عن امريكا" وشطح حد تحميل واشنطن المسؤولية الكاملة عن وقوع المأساة جراء عدم التزامها بأي مقترح لوقف التلوث البيئي.

عايدة النجار كتبت في (الدستور 5/1) "تسونامي وامريكا" مقالا اتهمت فيه أميركا بمحاولة التلاعب على الوتر الإنساني والبخل أيضا في تقديم المساعدات، ثم بالمزاوده على المجتمع الإنساني وهي تقرر رفع المعونات وطالبت بوش بتعلم التعاون من "هذا الوحش القوي"، كما لم تنسى تذكيره بمواقفه تجاه الفلسطينيين والعراقيين.

الكاتب جورج حداد هو الآخر ذكر بمصائب أميركا وإسرائيل في مقاله بصحيفة (الدستور

2/1) ) بعنوان "طوفان آسيا..ثالث الكوارث الكبرى" واعتبر حداد أن الطوفان ثالثة أثافي مصائب قصف هيروشيما بالقنبلة النووية والنكبة الفلسطينية. وبدون أن نفهم شيئا أنهى مقاله بربط التسونامي برواية التوارة حول "طوفان نوح" وحول محاولات اليهود إضفاء نوع من المصداقية على "أساطير التوراة"، ربما لم يكن هناك من داع لربط مأساة إنسانية بقضية دينية، خاصة وأن قصة "طوفان نوح" تتكرر أيضا في القرآن، وكثيرا ما ادعت دول إسلامية اكتشاف آثار للطوفان على أراضيها.

إبراهيم العبسي في (الدستور 30/12) في مقاله "كارثة آسيا .. والموقف الاميركي المريب" هاجم واشنطن أيضا على شح المساعدات التي كان أعلنها الرئيس الاميركي بوش في البداية بمقدار 35 مليون دولار، مذكرا بان واشنطن تنفق مليارات على الحروب. ولكن العبسي ينهي مقاله بمطالبة الدول الإسلامية والعربية الغنية والآسيوية بدون انتقاد لها على "شحها"، بدعم البلدان المنكوبة ولا يتطرق للأردن حكومة وشعبا.

محمد كعوش لم يجد في الكارثة سوى أغنية رومانسية لفيروز عن البحر وكتب في "العرب اليوم" (30/12) مقالا أكثر من بسيط، بعنوان "بس يا بحر"، معتبرا أن البحر لم يعد جميلا هذه المرة وانه ثار كما تنتظر الشعوب المضطهدة الثورة، وكتب وهو يتحدث عن البحر الغضبان "كي تسمع جيوش الاحتلال في العراق وفلسطين وحيث تعيش كل الشعوب المضطهدة".

محمد البشير في "العرب اليوم" (3/1) كتب مقالا تحت عنوان "العام 2004 وانتقام الطبيعة"، اعتبر انه إذا كانت الطبيعة قتلت 200 ألف نسمة يصبح الحديث عن القتل بدم بارد موضوعا قابلا للنقاش، مذكرا بالتاريخ الدموي لأميركا وموجها تحية للمقاومة في العراق وفلسطين.

الكاتب فخري قعوار خصص فقرة في مقاله "بعد الحرب الباردة" في (الرأي 3/1) قال فيها أن من حق من نجوا من الكارثة الحصول على مساندة من اميركا متسائلا أليست حياتهم أهم من إدخال "الديمقراطية إلى العراق؟.

الكاتب محمود الريماوي في مقاله بـ"الرأي"، يضيف إلى أميركا وإسرائيل أسامة بن لادن بوصفه من غلاة المتطرفين أيضا ويقول انه "لا يتم فعل الكثير للتعامل مع مفاجآت الطبيعة باستثناء مفاقمة المخاطر عبر الحرب على الإرهاب والحروب الاستباقية والغطرسة الإمبراطورية".

عبد المجيد جرادات في مقاله بـ(الدستور 5/1) "قوانين الطبيعة وعلاقات الدول" يخصص فقرة يطالب فيها الدول الصناعية العظمى توجيه جهودها التي تستخدم لإحداث المزيد من الدمار والفتن في العراق وأفغانستان وتهيئ للاستمرار بالتضييق على الشعب الفلسطيني لمساعدة منكوبي آسيا".

ديمة بركات في (الغد 1/1) كتبت في مقالها "تسونامية امريكا" تحمل واشنطن مسؤولية "تسونامية شريرة وبشعة، تسونامية لا تخضع لقوانين وتتمنى لو أن "بلادنا العربية تصفع أمواج التسونامي بدلا من الغرق في بحور وهم أمريكية".

الكاتب عبد الرحمن الإمام الحسيني في (الغد 3/1) كتب أيضا تحت عنوان "سونامي وشارونامي" مقارنا بين ما أحدثته الأمواج العاتية في البلدان الآسيوية العشرة وبين ما تفعله "سونامية شارون في الضفة الغربية وقطاع غزة" ليخلص إلى اشتقاق تعبير لغوي يطلق عليه "شارونامي".

الكاتب باسم الطويسي في (الغد 3/1) يكتب مرافعة طويلة في تاريخ آسيا المنكوبة بالاستعمار، ويتهم الإعلام الغربي بلعب دور في بيع أساطير العولمة للناس وفي إبراز وجهها الإنساني. ويتهم معظم التغطية الإخبارية الغربية بالتركيز على قصص السياح الأجانب.

افتتاحية (الرأي 30/1) بعنوان "رأينا" تخالف الطويسي ما ذهب إليه وتحت عنوان ("عولمة" المشاعر الإنسانية في اتجاه ايجابي" ترى ايجابية في وقوف العالم متضامنا مع الكارثة.

وفي سياق الهجوم على وسائل الإعلام الغربية وتركيزها على السياح الأجانب كتب باتر محمد علي وردم في (الدستور 29/1/12) مقالا بعنوان "الضحايا 30 ألف شخص و100 سائح" وقال أن الميديا الغربية عنصرية اهتمت بالكارثة كمادة إعلامية مثيرة وركزت على السياح وهي نفسها وسائل الإعلام التي ستهتم غدا بتسريحة شعر وبأغاني برتني سبيرز وتترك آلام الملايين من البشر.

تحت عنوان "دبلوماسية الكوارث" كتب رسمي حمزة في (الدستور 4/1) مقارنا بين ما حدث في آسيا وروائح الموت في الفلوجة والنجف. ويتهم هو الآخر الإعلام الغربي بالسذاجة وتركيز بعض المراسلين على قصص السياح الأجانب. ويقول: "ألا يكفي هذا الدمار لإشباع شبق الصحافة".

عريب الرنتاوي في مقاله بـ(الدستور 31/12) تحت عنوان "عام الطوفان"، لا يتوقع أن تخصص المليارات المرصودة للحرب على العراق والإرهاب وسباق التسلح لغرض البحث العلمي وتمكين الإنسان من مواجهة الكوارث.

سلطان الحطاب لا يشعر بعظم مصيبة الكارثة إلا بعد مشاهدة حشد من "الخادمات السريلانيكات ينتحبن أمام كنيسة" في عمان، ويقول في مقاله بـ(الرأي 30/12) المعنون "الزلزال ..حبل المأساة الموصول": "أمس الأول كنت أمر من أمام كنيسة الصويفية متجها إلى بيتي كان هناك تجمع للخادمات السيرلانكيات في وضع مأساوي ومناحة مفتوحة.." ويخلص إلى أن منظر الخادمات الباكيات "هزه" مضيفا انه "قد يكون من المناسب مساعدتهن" لأننا "بشر وجزء من مجتمع إنساني"، متمنيا على "الهيئة الخيرية الهاشمية للإغاثة أن تقوم بدورها الذي ظل دائما يحمل اسم الأردن ويرفع علمنا عاليا".

رشاد أبو داوود في (الدستور 29/12) هزه هو الآخر حزن خادمته الآسيوية وكتب مقالة بعنوان "نانسي والطوفان" متمنيا أن تصل أخبار مطمئنة لنانسي من ذويها.

وحده الكاتب خالد الحروب المقيم في لندن كتب في (الغد 3/1) مقالا مميزا عكس فيه وعيا بدور الصحافة والإعلام وإنسانية العربي، فكتب تحت عنوان "كارثة تسونامي.. وتكلس مشاعرنا الإعلامية والإنسانية"، منتقدا التعامل العربي الباهت مع الكارثة، وانتقد خطباء مساجد اظهروا شماتة بالمنكوبين وتساءل عما إذا كانت مشاعرنا الإعلامية والإنسانية تكلست، معتبرا أننا بمساعدة الدول المنكوبة نتصالح مع جوهرنا الإنساني.

طاهر العدوان في (العرب اليوم 4/1) اتفق إلى حد ما مع الحروب وكتب تحت عنوان "العرب لم يجمعوا تبرعات" منتقدا الدور العربي الباهت وخطباء المساجد التكفيريين وتمنى لو أظهرت التقارير الإعلامية إقبالا عربيا على مساعدة الدول المنكوبة، ولكنه أشاد بدور الحكومة الأردنية على إرسالها مواد إغاثة ومساعدات طبية، بيد أنه لم ينتقد الصحافة ودورها في الكارثة وجمع التبرعات.

باسم سكجها كتب تحت عنوان "كوارث" (الدستور 5/1) داعيا إلى الوقاية من كوارث مشابهة باعتبارنا منطقة لها تاريخ طويل بهذا الشأن".

نزيه في (الرأي 30/1) كتب تحت عنوان "نحن وزلزال جنوب شرق آسيا" يتساءل حول ماذا فعلنا حول احتمالية وقوع زلزال في المنطقة، مطالبا بـ"خطة استراتيجية متكاملة العناصر تتعامل مع كل الاحتمالات المتوقعة أو غير المتوقعة مع احتمالية وقوع زلزال".

طارق مصاورة في مقال بعنوان "الكوارث والكودات" (الرأي 28/12) طالب وزارة الأشغال بالانتباه إلى "كودات البناء"، معربا عن حزنه على كارثة المحيط الهندي، ومتيقنا من "أن الإغاثة الهاشمية ستساهم مساهمة كريمة في مد يد العون لشركائنا في عالم الفقر".

عبد الهادي راجي المجالي في مقال له بعنوان "المد" في (الرأي 29/12) اعتبر أن الأردن خبر موجات مد كثيرة منها موجة مد المغنية سميرة توفيق وموجات مد أخرى وان "الملك له عيون تسبر عمق البحر.. قادر على كسر موجات المد.

وليد محمد السعدي في (الرأي 4/1) كتب تحت عنوان "الزلزال ..القادم أعظم" يبشرنا بعظائم الأمور وان الكوارث الطبيعية قد تفني الجنس البشري.

سامي المجالي كتب في (الغد 5/1) تحت عنوان "سونامي" آملا أن تتحول المخصصات المالية التي تنفق على أجهزة الرصد والتجسس والمعارك الانتخابية إلى توفير العلاج والمأكل والمشرب.

جميل النمري كتب في مقاله في (العرب اليوم 1/1): "إذا زلزلت الأرض زلزالها" متحدثا عن كوارث الطبيعة التي قد تفني الحياة. وفي مقاله "هوامش ضيقة للتفاؤل" (3/1) كتب في فقرة عن الزلزال معتبر أن العام مضى وخلف وراءه هامش ضيق للتفاؤل.

الكاتب السعودي جمال الخاشقجي كتب في (الغد 4/1) تحت عنوان "في ذكرى فريد قرشي ونحن نعيش اكبر كارثة طبيعية في هذا العقد"، مستحضرا روح رجل فقه الإغاثة فريد القرشي المعروف بالتسامح والطيبة. ولكنه انتقد تقصير الدول العربية والإسلامية عن المساعدة. ووجد في الكارثة فرصة لإحياء العمل الإسلامي الإغاثي الصحيح.

الاسبوعيات: "تسونامي" الصحافة المحلية

على الرغم من كل ما قيل عن الصحافة اليومية إلا أنها تبقى في تغطيتها للحدث أفضل بما لا يقاس من الاسبوعيات التي لم يسمع جزء كبير منها بالكارثة، فيما تناولت صحيفة "السبيل" الكارثة بطريقة "إثارة" غير دقيقة إطلاقا. وعكست تعليقات بعض كتاب الصحف الأسبوعية نموذجا من الإعلام "الشعبوي".

صحف "القومية" العربية "المجد والوحدة" لم تسمع بالكارثة مطلقا، ولم تكلف نفسها عناء نشر خبر مهما بلغ قصره أو صورة، حتى أنها لم تكترث إلى قضايا نقلتها وسائل الإعلام كان ممكن أن تشكل لها مادة إعلامية من نوع رفض سيرلانكا للمساعدات الإسرائيلية ومقتل 4 سياح إسرائيليين واختفاء 11 آخرين وقبلها الإعلان عن اختفاء 845 سائحا إسرائيليا تبين لاحقا أنهم كانوا بعيدين عن منطقة الكارثة. كما لم يلفت نظرهما أخبار عن الغموض الذي أحاط بمصير القاعدة العسكرية الاميركية "دييغو غارسيا". أما معلقي هذه الصحف فهم أيضا كانوا مشغولين في هجاء اميركا ولكن عبر البوابتين الشرقية العراق والغربية فلسطين.

صحيفة "السبيل" الناطقة باسم جماعة الاخوان المسلمين، غطت الكارثة بخبر قصير في نهاية الصفحة الأولى على العدد الصادر في (28/12)، ويبدو أن ما لفت نظر المحرر تقرير لوكالة الأنباء الألمانية عن اختفاء 500 سائح إسرائيلي فاستخدمه مفتاحا لعنوان المادة. والخبر صيغ على عجل إذ أن أرقام الضحايا وأكثر البلاد تضررا كانت بحاجة إلى تجديد خاصة لصحيفة ستبقى أسبوعا في الأسواق.

أما في عددها الصادر بتاريخ (4/1) فقد فضلت "السبيل" أخبار تم نفيها عن مصير القاعدة الاميركية "دييغو غارسيا" على مئات الاف الضحايا وان كان اغلبهم من المسلمين والفقراء والاطفال، ففرد المحرر مانشيتا رئيسا على عرض الصفحة الأولى من الجزء الأول والجزء الثاني يقول: "الغموض يكتنف مصير القاعدة الاميركية في "الهندي" وأحاط المانشيات بعدد من العناوين الفرعية وصورة كبيرة على 8 أعمدة للقاعدة. وكانت الولايات المتحدة اكدت ان القاعدة نجت وهو امر اكدته تقارير اخرى كون القاعدة تلقت انذارات مبكرة، وهو ما أكده أيضا مقال ظهر في "السبيل" نفسها وفي العدد نفسه، بقلم ياسر اسعد من كندا بعنوان "الطوفان وامريكا" اتهم فيه الولايات المتحدة نقلا عن بروفسور اميركي أنها كانت على علم مسبق بحدوث الزلزال ولم تسع إلى تحذير الدول المنكوبة.

 في تغطيتها الاخرى، فقد أفردت الصفحة 11 من نفس العدد لخبر قصير تم تجميعه من وكالات أنباء ووضعت اسم عزالدين احمد عليه، أوجز فيه بشدة بعض الأحداث مركزا على أرقام الضحايا وغطت الصفحة بتسع صور منها صورة لمسجد لم يتأثر بالزلزال.

معلقو  صحيفة "السبيل" لم يجدوا في الكارثة ما يستحق الكتابة باستثناء احمد نوفل فقد كتب مقالا في العدد نفسه تحت عنوان "الزلزال" ألقى فيه موعظة دينية عن ضرورة العودة لله ومؤكدا أن الزلزال حدث طبيعي وليس انتقاما إلهيا، وأيضا ذكر في الزلزال الذي تشهده المنطقة العربية في العراق وفلسطين.

الصحف الأسبوعية الأخرى، "الجزيرة، شيحان، البديل الإعلامي، البلاد، الحدث، اللواء، المحور وغيرها" لم تسمع بالكارثة مطلقا، عدا عن ثلاث مقالات ظهرت في صحيفة "المحور" (30/12) لكاتبه سهم محمد المجالي تحت عنوان "إذا زلزلت الأرض في رأس السنة" دعا فيه إلى تقوى الله بدلا من الإنفاق الباذخ على حفلات رأس السنة. وآخر لبلال التل في "اللواء" (29/12) بعنوان "أحداث ودلالات" دعا فيه الى عدم نسيان الفلوجة وجنين في غمرة الانشغال في الكارثة. أما المقال الثالث فكان لرئيس تحرير صحيفة "الحدث" عمر النادي تحت عنوان "النفيس والرخيص" اعتبر أننا نستحق الكارثة لأننا شعوب لا تستحق الحياة.

أخيرا، فقد سألت صحيفة (الشرق الأوسط 31/12) الإعلامي اللبناني المعروف زافين كومجيان، لماذا لم يخصص حلقة عن الكارثة فأجاب: "لو نفذت ذلك فسألاقي الكثير من الانتقادات كوني فضلت هذا الموضوع عن قضايا أكثر تعلقا بالعرب"، وينتقد زافين ما يصفه "بالتميز العنصري" لدى الكثير من المشاهدين العرب"، مؤكدا لا حياد في القضايا الإنسانية، فهل نجحنا حقا في الاختبار الإنساني العظيم.

لقطة:

ربما لم يسعف الحال الاردن كثيرا فقدمت مساعدات لمنكوبي تسونامي بقدر المستطاع. لكن الصحافة التي كان حريا بها دفع المجتمع الى التضامن والتعاطف لم يسعدها النطق. فهاهو رئيس تحرير صحيفة "الحدث" الاسبوعية يكتب شامتا بقتلى الزلزال لمجرد انهم ضحايا التمييز والفقر ويقول :" اخيرا هل اخطأ الزلزال موقعه يا ترى؟! ام انه اصاب؟! لا اظن ابدا انه اخطأ المكان فنحن شعوب لا تستحق ان تبقى على هذه الارض لهذا نحن بحاجة الى طوفان اشد من طوفان نوح لا يبقي ولا يذر، ما دمنا بهذا الرخص والانحطاط والدناءة".

* عن اذاعة عمان .نت.