وعلى الرغم من أن العلاقات المتأزمة بين الطرفين بدأت تعرف انفراجا في السنوات القليلة التي سبقت سقوط النظام العراقي، إلا أنها لم تسترد عافيتها على الإطلاق، فقد تواصلت النشاطات الاستخباراتية بينهما وخاصة فيما يتعلق بموضوع المعارضة التي كان يحتضنها كل منهما ضد الآخر. ثم جاءت الحرب لتقضي على أي احتمال ممكن لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، حتى تم الاتفاق مؤخرا على استئنافها بعد أكثر من ثلاثة سنوات على احتلال العراق، كنتيجة طبيعية للتعهدات السورية بدعم عملية الاستقرار في المنطقة.
ومع استئنافها من جديد بعد نحو ربع قرن على انقطاعها، ما الذي يمكن أن تجلبه هذه العلاقات لكلا البلدين؟ الآن وفي المستقبل.
تبدو حاجة العراقيين أكثر إلحاحا لاستعادة العلاقات المتوقفة بين البلدين لعدة أسباب، أولها أن الحكومة العراقية شأنها شان أي حكومة أو سلطة تأتي عقب انقلاب أو حرب فهي بحاجة على اعتراف دول الجوار بها، واستئناف العلاقات معها يعني الاعتراف بشرعيتها ونسيان أمر النظام السابق والتوقف عن دعمه أو تقديم المساعدة له أو تأمين الملاذ لأفراده. من جهة أخرى تبدو مسألة ضبط الحدود من أهم المسائل التي تشغل بال الحكومة العراقية وتجهد من أجل ضبط عملية تسلل المقاتلين عبرها، وهو ما ألح عليه المسئولين العراقيين والأمريكيين منذ بداية الحرب. إذ سيكون من الآن وصاعدا على الحكومة السورية التصرف بمسؤولية أكبر مع هذه المسألة. مسألة ثالثة لا تقل أهمية عن السابقتين هي قضية تسليم المطلوبين والمجرمين، إذ سيصبح من واجب السوريين الالتزام بتبادل المطلوبين والمجرمين وفقا للاتفاقيات الدولية والقوانين المعمول بها، وسيركز العراقيين على هذه النقطة بشكل كبير نظرا للفلتان الأمني الكبير والذي تحمل الحكومة العراقية مسئوليته لأفراد بعينهم، وسيؤدي تعاون السوريين في هذه المسألة إلى تضييق الخناق على المطلوبين ونشاطاتهم الإرهابية.
أما بالنسبة للسوريين فما الذي يمكن لهم أن يكسبوه من عودة العلاقات مع العراق؟
يصر المسؤولون السوريون على عدم وجود أية صفقة من جراء إعادة العلاقات السياسية مع العراق، فهل هذا صحيح وهل سيفوت السوريين هذه الفرصة دون تحقيق أية مكاسب؟ قد يكون الدخول في تفاصيل التنازلات التي سيقدمها الأمريكيون للسوريين أمرا صعبا، خاصة مع التداخلات الكبيرة التي تجمع الطرفين ففي لبنان هناك حزب الله والمحكمة الدولية وفي فلسطين هناك حماس وفي الداخل السوري هناك مسألة الدعم الأمريكي للمعارضة السورية وفي الكونغرس هناك قانون محاسبة سورية، وقد يكون هناك عشرات القضايا الحساسة التي من الوارد أن تكون مجالا للتفاوض بين الطرفين. إلا انه ومن المؤكد أن السوريين لن يقدموا على هذه الخطوة بالمجان، وإن كانوا لا يرغبون باستمرار نزف الدم العراقي أو الانجرار إلى حرب أهلية فيه.
البوابة دمشق