باختصار وهدوء، ما الذي يجري في الجزيرة السورية؟

تاريخ النشر: 30 أبريل 2019 - 12:25 GMT
حرق العلم الأمريكي في منطقة الجزيرة السورية
حرق العلم الأمريكي في منطقة الجزيرة السورية

بقلم: محمد سعيد حمادة*

شباب الرقّة ودير الزور والحسكة وريف حلب المطلوبون للخدمة العسكريّة، الإلزاميّة والاحتياطيّة، أقبلوا بالمئات على مراكز التسوية في هذه المحافظات للالتحاق بالخدمة، بعد مكرمة من السيّد الرئيس بشار الأسد لتسوية أوضاع المتخلّفين في هذه المحافظات. التحقوا رغم ما اكتنف مسيرة الكثيرين منهم من مخاطر الاعتقال والتصفية والضغط على أهلهم، وما زالوا يقبلون ويتواصلون.

مئات من المدنيين الذين لديهم مشاكل أمنية عالقة قدموا مختارين لتسوية أوضاعهم، وكذلك من الموظّفين الذين كانوا منقطعين عن وظائفهم قاموا بتسوية أوضاعهم.

في الأشهر الماضية تشكّلت مجموعات صغيرة في الرقّة ودير الزور أطلقت على نفسها اسم "أسود المقاومة الشعبية"، ولم تعلن عن أيّ عمليّة عسكريّة سوى دعواتها المتكرّرة للتظاهر وحرق أعلام المحتلّين في القرى والبلدات وأحياء المدن وساحاتها العامّة، إضافة إلى رفع العلم السوريّ على المباني ومداخل المدن والقرى والمنشآت؛ ورغم كلّ الاحتياطات الأمنية التي اتّخذها المحتلّ وأعوانه كانوا يستيقظون كلّ يوم ليتفاجأوا بارتفاع العلم السوريّ، ومن دون أن يعرفوا واحدًا من هؤلاء الذين يجمعون الناس لتحدّيهم وحرق أعلامهم.

في الحسكة تململ من تأخير إعلان النفير العامّ ضدّ المحتلّ الأميركيّ وأعوانه لأن محافظة الحسكة على تماس أكبر من رعاع العملاء، ولسورية هناك رجال لا يعرفون "بوزات" الكاميرات ولا تهمّهم ولا تعنيهم التلفزيونات ومخطّطات المستقبل في حصّة مسؤولية أو منصب، يقومون بما يمليه عليهم واجبهم الوطنيّ بهدوء ومثابرة وتصميم.

في الريف الحلبيّ، لا أستطيع القول سوى إن سوريّة مؤيّدة بجنود لا يعرفهم أحد ولا يراهم إعلام، فالنار مستعرة تحت رماد هدوء واطمئنان المحتلّين وأعوانهم.

كلّ هذا كان مراقَبًا من قبل الأعداء وأعوانهم، فبعض العمليّات العسكريّة في الجزيرة ضدّ الاحتلال ظلّت أيّامًا من دون الإعلان عنها ليتمّ الإيعاز أنها لـ"داعش" التي تقوم بتبنّي العملية. طبعًا لـ"داعش" خلايا نائمة هناك يتمنّى الأميركيّ وعملاؤه أن تكون هي من قامت بعمليّات ردّ فعل أو انتقام.

في دير الزور مثلاً استعرت المظاهرات إثر اعتقال ميليشيا "قسد" العميلة لشابّ قدم من دمشق إلى الدير فاعتقل بتهمة أنه من "داعش" واستشهد تحت التعذيب، علمًا أنّه كان مقيمًا في دمشق لمدّة طويلة من الزمن ولم يذهب إلى قريته طيلة احتلالها من قبل "داعش"!!

دخل الأميركيّ بأعوانه على خطّ التظاهرات في دير الزور وحاول تجييرها لصالحه عبر عملائه الذين رفعوا شعارات مناهضة للدولة السورية وقاموا بقطع الطرق على صهاريج النفط القادمة إلى مناطق سيطرة الدولة، لكنّ ميليشيا "قسد" لم تحرّك ساكنًا ضدّ التظاهرات وبدت ديمقراطيّة مسالمة؛ لكنّها قامت بإطلاق النار على المتظاهرين قبل أيام عندما بدأت ترى الأعلام السورية وصور السيّد الرئيس بشّار الأسد في ازدياد وبعد أن لاحظت أن الشعارات بدأت تأخذ منحى مختلفًا وأن هناك من يصيغها بعناية.

ليس ادّعاء أنّنا عندما اجتمعنا في 25/ 1/ 2019 في إثريا، "اجتماع القبائل والعشائر السوريّة والنخب الوطنيّة" لم نأتِ على ذكر "مكوّنات" أو غيرها، بل قلنا السوريين في مختلف مسمّياتهم، وأكّدنا أن مواطنينا الكرد هم مواطنون سوريون من الواجب علينا الدفاع عنهم، وكرّس هذا التعبير وكان له صداه في الجزيرة السورية عند كلّ المواطنين هناك لأنه وصلهم بصيغته البسيطة المفهومة التي تدعو إلى الخروج من الاصطفافات العنصرية ما تحت وطنية؛ وقد كان هذا أيضًا تحت نظر الأعداء، فقاموا بدعوات كثيرة وتحت مسمّيات كثيرة لكنّ ضابطها الأساس هي كلمة "السوريين" محاولة للالتفاف على التأييد المفاجئ من قبل الناس لما جاء في البيان التأسيسي للاجتماع، وإن ما يخرج اليوم من بيانات باسم السوريين في الجزيرة السوريّة أو غيرها ما هي إلا محاولات في الالتفاف والتطويق لما أبداه المواطنون من تجاوب مفاجئ لهم كذلك مع ما رفعه الاجتماع من شعار أننا مع العلم والجيش والرئيس وكلّ ما تحت ذلك قابل للنقاش والتداول.

أمس اجتمع نائب رئيس النظام التركيّ فؤاد أوقطاي بممثلين لما سمّوه "المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السوريّة" وخرجوا من الاجتماع أن "سوريا للسوريّين"، داعين إلى تحرير دير الزور من "قسد". في الوقت نفسه أوعز إلى عملاء مثقّفين للسير في الاتجاه نفسه ودسّ السمّ في عسل تعابير سورية والسوريين، وكلّ هذا ما كان ليحدث لولا أنّ المحتلّين شعروا أن الأمور تخرج من تحت سيطرتهم وعملائهم.

ما أعرفه وأؤكّد عليه، نتيجة مراقبتي الحثيثة، أنّ "أسود المقاومة الشعبية" يعملون بصمت وهدوء وعزم والجزيرة عائدة إلى سوريّتها الحقّة.

*كاتب وناشط سياسي سوري مقيم في دمشق