سمير العيطة
في بداية انطلاق الثورة في سوريا سألت أحد المسؤولين الغربيين: أيّ نهج ستسلكون أمام ما يحصل في بلادنا؟ هل ستكون أولويّتكم هي مساعدة السوريين للوصول إلى الحريّة، أم تغذية صراع سنيّ - شيعيّ خطير لتصفية حساباتكم مع إيران والهيمنة على المنطقة؟ وقلت لذلك المسؤول، إذا وصل السوريّون إلى الحريّة فإنّ تحالفاتهم ستتغيّر تدريجيّاً وستصبح أكثر توازناً، بحكم طبيعة التركيبة السوريّة، أمّا إذا تمّت تغذية صراع طرفي الخليج على حساب الشعب السوريّ، فسيكون الثمن هو تفجير بلادنا.
أتت إجابة المسؤول الغربي متلعثمة. لم يكن سؤالي دفاعاً عن إيران، بل كان ناتجاً عن تخوّف، من يتابع ما يجري منذ زمنٍ من تجاذبات في لبنان. تجاذبات جعلت كلّ استحقاق مؤسساتيّ موضوع صراعٍ دوليّ، من انتخاب رئيس إلى تصويت على قانون.
ومؤخّراً، وبعد كلّ ما عرفته سوريا من قتل وتدمير، جدَّدتُ سؤالي بطريقة مختلفة متسائلاً إن كانت هناك إمكانيّة لحلّ الصراع في سوريا من دون إيجاد توافق بين إيران والسعوديّة؟ إذ كيف يمكن لبشار الأسد، بحكم مسؤوليّته عمّا يحصل في سوريا، أن يرحل من دون التوافق مع إيران؟ فأتت الإجابة حازمة هذه المرّة: نحن نقبل الحوار مع إيران حول العراق ولبنان، ولكن لا نقبل الحوار معها حول سوريا!
إيران و«حزب الله» يقاتلان اليوم في سوريا والعراق. وكذلك تدير الولايات المتحدة وحلفاؤها غرف العمليّات العسكريّة للمعارضة. وجميع الدول الإقليميّة منغمسة في التدخّل، بطريقة ربّما غير مباشرة ولكن واضحة للعيان، في أوضاع العراق وسوريا ولبنان. في مثل هذا السياق ظهرت دولة «الخلافة» وتحوّلت إلى كابوس على المنطقة وخرجت عن السيطرة.
لقد تغيّرت المعادلة مع القفزة النوعيّة التي أتت بها دولة «الخلافة» ضمن الصراع، إلاّ أنّ المنطق ما زال هو ذاته. تتدخّل الولايات المتّحدة وحلفاؤها في العراق لحماية كردستان العراق أو لإجلاء الأقليّات، ولكن ليس لتقويض شوكة دولة «الخلافة» حقيقةً. وتتعاون واشنطن وإيران لدعم كردستان العراق والحكومة المركزيّة ولكن من دون حسم الأمور. ونشأ تعاونٌ ولو جزئيّ بين القوّات الأميركيّة و«أسايش» الاتحاد الديموقراطي الكردي، وكانت معارضة «الائتلاف السوري» تتّهمه أنّه حليف النظام، وكانت تركيا قد أطلقت عنان بعض التنظيمات المتطرّفة ضدّه. وفي الوقت نفسه، ساعدت الولايات المتحدة المعارضة السوريّة المسلّحة على صدّ هجوم «داعش» على مارع، وحالت دون سقوط حلب بيدها، تأجيلاً لمعركة كبرى من دون حسم، بينما تغضّ الطرف عن المساهمة الأساسيّة لـ«جبهة النصرة» في محاصرة محردة والسلميّة وجبل الدروز، مع أنّ هذه الجبهة موضوعة قبل غيرها على قائمة الإرهاب. ويتمّ الإعلان عن صفقات تسليح ودعم للجيش اللبنانيّ، من دون تنفيذ عمليّ، في حين يتّهم البعض هذا الجيش أنّه حليف «حزب الله». هذا كلّه يترافق مع خطاب نمطيّ مكرور حول التمسّك بوحدة العراق ولبنان وسوريا وسلامة أراضيها.
إنّ أسئلة مؤلمة وجارحة وخطيرة تطرح نفسها على الجميع. فما نهاية هذه اللعبة الإقليميّة الدوليّة غير تقويض الكيانات القائمة، بمعزل عمّن سيحكمها، إن بقيت أصلاً موجودة وذات سيادة وقابلة لأن تُحكَم؟ وما الموقف الوطنيّ الحقّ؟ هل هو في أن تفرح موالاة بقصف أطفال معارضة بالبراميل؟ وأن تحتفل معارضة بإعدام مئات الجنود على يدِ «داعش» أم الدعوة لوقفٍ النار ولهدنة وليس للتحالف، في حين لا أحد يريد أن يفهم ذلك، وللتصدّي للتنظيمات المتطرّفة مثل «داعش» و«النصرة»؟
عن صحيفة -السفير- اللبنانية