بدأ المستوطنون الذين خرجوا من قطاع غزة ببناء حياتهم من جديد في مخيمات فاخرة لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن ساحل المتوسط، فيما بدأ الفلسطينيون يغامرون بدخول "مناطق الموت" المحاذية للمستوطنات مع رحيل ساكنيها المحتلين.
واقيم للمستوطنين نحو 350 "كارافيلا"، وهو ما بين الفيلا والكارافان، وسيتم انشاء 120 فيلا اخرى على ارض كانت قبل ثلاثة اشهر حقلا لزراعة البطيخ.
ويبدو المخيم الذي اطلق عليه اسم بلدة نيتسان الجديدة (على بعد نحو 16 كيلومترا شمال قطاع غزة) مشابها للاحياء التي عادة ما تقام على مشارف المدن في كافة انحاء العالم.
الا ان هذا المخيم المؤقت لا يشبه في شيء المخيمات البائسة التي يعيش فيها مئات الاف اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة منذ عشرات السنين.
وبدأت السيارات والشاحنات تصل نيتسان الجمعة لنقل المستوطنين وممتلكاتهم الى تلك المنطقة التي سيمضون فيها عامين قبل ان ينتقلوا الى المكان التالي المقرر ان يقيموا فيه بشكل دائم.
وجلست ساريت دروري (21 عاما) التي غادرت مستوطنة بيدولاح قبل ساعات من الموعد النهائي الذي حددته السلطات الاسرائيلية في منتصف ليل الثلاثاء، في مطبخ منزلها المكون من اربع غرف نوم وسط اكوام الصناديق المغلقة.
وقال ساريت "لقد كان المنزل القديم أكبر من هذا بثلاث مرات. لقد كانت مساحته 200 متر مربع وكان به حديقة كبيرة. لقد اضطررنا الى بيع الكثير من الاغراض لان هذا المنزل لا يتسع لها".
ولا يزال والدها المزارع وبقية عائلتها يقيمون في فندق الى ان يجهز منزلهم.
وحول اخراجها من غزة التي ولدت فيها قالت ساريت "لقد شعرنا ان العالم باكمله انهار فوق رؤوسنا".
الا انها قالت انها وجدت بعض العزاء في ان جيرانها القدامى في مستوطنة بيدولاح يعيشون في المنازل المجاورة لمنزلها في نيتسان.
وتعتبر نيتسان الواقعة على مشارف منتزه عام ساحلي والتي نقلت اليها 140 عائلة حتى الان، جزءا هاما من صفقة التعويضات التي تمنحها الحكومة الاسرائيلية لنحو ثمانية الاف مستوطن يهودي يجري اخراجهم من قطاع غزة.
وقد زودت كافة المنازل الجديدة المؤقتة التي طليت باللون الاصفر باجهزة التكييف الهوائي ومواقف السيارات ومطابخ وحمامات مجهزة تجهيزا تاما.
ومن المقرر ان تحصل العائلات التي خرجت من غزة وعددها 1700 عائلة، على تعويضات قدرها نصف مليون دولار اميركي.
الا ان العديد من سكان نيتسان الجدد اشتكوا الجمعة من ان تلك التعويضات غير كافية".
وقالت ساريت التي تنوي البدء بدراسة علم النفس الخريف القادم، "التعويضات ليست كافية (...) كان من الممكن ان نكسب هذا المبلغ من المال في غضون عامين. ولكن الان اصبحت عائلتي دون دخل، وعلينا شراء منزل جديد، ولدي ثلاثة اشقاء يجب ان يتلقوا التعليم".
وقال شاي ميغيديش (26 عاما) مزارع البندورة انه لا يعرف في الحياة سوى ممارسة الزراعة مؤكدا ان الحكومة لم تساعده في العثور على عمل اخر.
واوضح "اشعر انني خدعت. العرب يضحكون علينا ورئيس الوزراء غير مهتم"، في اشارة الى ارييل شارون الذي كان وراء خطة الانسحاب من غزة.
واضاف "ما لم تفعله ستة آلاف قنبلة (اطلقها الفلسطينيون) بمنزلي وقريتي، فعلته الحكومة".
مناطق الموت
وفي مقابل هذه الصورة، إرتسمت ابتسامة عريضة على وجه الفلسطينية خديجة سلامة وهي تجلس على حشية بأطلال منزل لم تزره على مدى أربع سنوات.
وبعد أن بدأت اسرائيل اجلاء المستوطنين اليهود عن قطاع غزة بدأ الفلسطينيون يغامرون بدخول المناطق التي كانت يوما ساحات للقتال بين نشطين يهاجمون المستوطنات والقوات الاسرائيلية التي تحميها.
وكان أي شخص تطأ قدماه ما أطلق عليه الفلسطينيون "مناطق الموت" يخاطر بأن يكون هدفا لاطلاق النار.
ويقع منزل خديجة بين مستوطنة نفيه دقاليم كبرى مستوطنات غزة ومخيم خان يونس للاجئين معقل النشطين أثناء الانتفاضة التي بدأت منذ عام 2000.
وأخليت نيفيه ديكاليم الجمعة وتأمل اسرائيل الان باجلاء جميع المستوطنين عن قطاع غزة بحلول الثلاثاء.
وقالت خديجة التي تركت دارها مع بداية الانتفاضة بسبب اطلاق النار المستمر "الحمد لله على ذلك".
وأضافت "عندما كان شخص يطلق رصاصة واحدة على المستوطنة اعتاد الجيش أن يرد من كافة الاتجاهات."
ويرحب الفلسطينيون بالانسحاب الاسرائيلي وهو أول انسحاب من مستوطنات أقيمت على أراض محتلة بموجب خطة ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي "لفك الارتباط" مع الفلسطينيين.
ويخشى الفلسطينيون من أن يكون شارون يهدف الى تعزيز قبضة اسرائيل على مستوطنات الضفة الاكبر ولكن هذا الامر لم يحد من الاحتفالات في غزة.
وفي محيط خان يونس أزالت جرافات تابعة للجيش الاسرائيلي مئات المنازل قرب المستوطنات بزعم انها استخدمت من جانب نشطين كانوا يحتمون بين مدنيين لشن هجمات. ووصف الفلسطينيون هذه الاجراءات بأنها عقاب جماعي.
وقال ضابط الامن الفلسطيني مروان عواد وهو يشير الى الانقاض وقضبان الحديد الملتوية المتخلفة من هدم المنازل "الوضع في حقيقته يشبه هيروشيما وان كان على نطاق أضيق."
ولصق نشطون صور فلسطينيين قتلوا في الصراع على أعمدة الكهرباء. وكتبت أسماؤهم بالطلاء على الجدران بجوار شعارات سياسية مثل "المقاومة هزمت الاحتلال".
ويصف نشطون فلسطينيون الانسحاب بأنه انتصار للانتفاضة. ويشاركهم في ذلك معارضو الانسحاب من اليمينيين في اسرائيل الذين يقولون انه سيسجل سابقة خطيرة. ويؤيد معظم الاسرائيليين الانسحاب كوسيلة لتهدئة التوتر.
واتخذ عواد ورجاله مواقع قرب مستوطنات يهودية للمساعدة في ضمان احترام النشطين لهدنة سارية منذ ستة أشهر وحتى تتمكن اسرائيل من استكمال انسحابها بهدوء.
وقد يستغرق الامر عدة اسابيع قبل ان تسلم اسرائيل المستوطنات وسوف تقوم القوات بحراستها حتى ذلك الحين ولكن كثيرا من مظاهر التوتر تبددت فيما يبدو يوم السبت.
وفي مؤشر على عودة الحياة الطبيعية لعب اطفال حفاة على الكثبان الرملية خارج خان يونس. واقترب سكان فضوليون من ابراج مراقبة تابعة للجيش حتى يكونوا في موقع أفضل لرؤية المستوطنات بعد اخلائها.
وقالت خديجة "نامل فور خروج جميع المستوطنين والجنود ان ينتهي هذا الفصل من الدماء والدمار."