المرأَةُ (فارسٌ) مِنَ (الفَوارسِ)

تاريخ النشر: 10 سبتمبر 2022 - 05:09 GMT
 الدكتور محمد عناد سليمان
الدكتور محمد عناد سليمان

بقلم: الدكتور محمد عناد سليمان

قرأتُ على موقِعٍ مِنَ المَواقِعِ مَقالًا يَذْكُرُ كاتِبُهُ عِلَّةَ عَدَمِ ذِكْرِ العَرَبِ للفظِ (فارِسَةٍ) في كلامهم، واستوقفني ما نسبَهُ إلى ابن سيده الأندلسي المتوفَّى سنة (458هـ/1066م)، من رفضه الاعتراف بالنِّساء الفارسِاتِ، فقال في مُقدِّمَة المقال: (يرفضُ ابنُ سيده الذي يُوصفُ بأنَّه أوحدُ زمانِهِ وأعلَمُ أهْلِ الأندلُسِ قاطِبَةً بالنَّحو واللُّغة والأشعارِ وأحْفَظهم لذلك، الاعترافَ بالنِّساءِ الفارساتِ)، معتمدًا في ذلك على نقل ابن منظور المتوفى سنة (711هـ/1311م) في معجمه لسان العرب، ولا أُريدُ مناقشةَ صحَّة النَّقْلِ مِنْ عَدَمِهِ، إذ هو صحيح، ذكره ابن سيده نفسه رحمه الله في معجمه المُحكم والمحيط الأعظم (8/ 481)، إذ قال: (لم نسمع امرأةً فارسِةً).

لكنّني أريدُ تصحيح الوَهْمِ الذي جُلِبَ على أخينا الكاتِبِ الذي أدَّى إلى فَهْمٍ مغلوطٍ لمرادِ ابن سيده، إذ جعلَ كلامَهُ دليلًا على عَدَمِ وجودِ نساء فوارسَ في تاريخ العرب، إذ قال الأخُ الكاتِبُ: (يذكُرُ ابنُ سيده هذا وقد تقدَّمَتْ عليه تاريِخيًّا نماذجُ لا تُنسى لفارسات عربيَّاتٍ، مثل خولة بنت الأزور، وأسماء بنت يزيد، وكنيتها: أمُّ سَلمة، وأيضًا هناك نسيبة بنت كعبٍ التي أثنها عليها الرَّسولُ ﷺ قائلًا: ما التفتُ يمينًا ولا شِمالًا إلا وأنا أراها تُقاتِلُ دُوني) ا.هـ

والصَّحيحُ أنَّ ابن سيده لا يقصِدُ بكلامه الذي نصَّ عليه في كتابه المُحكم ونقله ابن منظور ما ذهب إليه الأخ؛ بل هو وهمٌ تسرَّبَ إليه؛ بسبب التَّسرُّع في النَّقلِ، واجتزائه من سياقه، فأدَّاه إلى فهم غالطٍ لكلام ابن سيده رحمه الله.

فابنُ سيده رحمه الله أوردَ كلامَهُ في سياق مسألةٍ صَرْفيَّةٍ معروفة عند أهل الفنِّ والصَّنْعَةِ، وهو مجيءُ الجَمْعِ في كلام العَرَبِ على بناء (فَواعِل)، إذ الغالِبُ المطَّرِد في هذا البناء أن يكون جمعًا لمذكَّر عاقل غير موصوف به على مثال: (فَاعِل) وكان ثانيه ألفًا زائدة، أمَّا إن كان صفةَ ما لا يُعقل فذهب بعضهم إلى القول بشذوذه، وردَّه ابن مالك بقوله: (وغلط كثير من المتأخِّرين فحكم على هذا بالشُّذوذ­)([1])، وتبعه أبو حيَّان فقال: (وغلط من قال بشذوذه)([2]).

والصَّحيح اطِّرادُهُ على مذهب سيبويه، قال: (وإن كان «فاعِل» لغير الآدميين كُسِّر على
«فواعِل»، وإن كان لمذكَّر أيضًا؛ لأنَّه لا يجوز فيه ما جاز في الآدميين من الواو والنُّون، فضارع المؤنَّث ولم يقْوَ قوَّة الآدميين، وذلك قولك: «جِمَال بَوَازل­»، و«جِمَال عَوَاضِه»)([3]).

لكنَّنا نقع على كثير من الألفاظ التي جُمعت على (فواعل) ولم تكن مِمَّا اتفق القوم عليه، فقد يكون جمعًا في الوصف للمذكَّر العاقل، وهو محمول عندهم على الشُّذوذ، لمخالفته الغالب في بابه، من ذلك: (فوارس) جمع (فارس) في قول أبي الغول الطّهوي:

فَدَتْ نَفْسِي وَمَا مَلَكَتْ يَمِينِي
 

 

فَوَارِسَ صَدَّقَت فِيهِمْ ظُنُونِي
 

 

فَوَارِسَ لا يَمَلُّونَ الْمَنَايَا
 

 

إذا دَارَتْ رَحَا الْحَرْبِ الزَّبُونِ
 

ونحو: (هوالك) في قول ابن جذل الطّعان:

فَأَيْقَنْتُ أَنِّي ثَائِرُ ابْنِ مُكَدَّمٍ
 

 

غَدَاتَئِذٍ أو هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ
 

 

وذهب ابن بري إلى أنَّه قد يكون المراد: (هالك في الأمم الهوالك)، فيكون جمع (هالكة) على القياس، وهو الأحسن؛ لئلا تُحمل على الشُّذوذ، وقد قالوا: (هالِكٌ من الهَوالِكِ، وفارِسٌ من الفَوارِس).

وقد وجَّه ابن يعيش هذين الجمعين بعد وصفهما بالقلَّة والشُّذوذ، فقال: (ومُجازه أمران: أحدهما: أنَّ (فارسًا) قد جرى مجرى الأسماء؛ لكثرة استعماله مفردًا غير موصوف. والآخر: أنَّ (فارسًا) لا يكاد يُستعمل إلا للرِّجال، ولم يكن في الأصل إلا لهم، فلمَّا لم يكن للمؤنَّث فيه حظٌّ، لم يخافوا التباسًا، وأمَّا (هوالك) فإنَّه جرى مثلا في كلامهم، والأمثال تجري على لفظ واحد، فلذلك جاء على أصله، فإن اضطَّر الشَّاعر إليه جاز له أن يجمعه على (فواعل)؛ لأنَّه الأصل.

قلتُ: انظرُ رعاكَ الله إلى كلام ابن يعيشِ ونصِّه على أنَّ (فارسًا) لا يكادُ يُستعمَلُ إلا للرِّجال، أي: أنَّ العرب لم تستعمل (فارسة) بتاء التأنيث، لذلك كُسِّرَ على (فواعِل) لعدم حصول التباسٍ بالمؤنَّثِ، وأكَّد ذلك أبو العبَّاس المُبرِّدِ إذ قالَ بعد إنشادِ قول الفرزدق:

وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُمْ
 

 

خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الأبْصَارِ
 

 

(وفي هذا البيت شيء يستطرفه النَّحويُّون، وهو أنَّهم لا يجمعون ما كان من «فاعل» نعتًا على «فواعل»؛ لئلا يلتبس بالمؤنَّث، لا يقولون: «ضارب» و«ضوارب»؛ لأنَّهم قالوا: «ضاربة» و«ضوارب»، ولم يأتِ هذا إلا في حرفين: أحدهما: «فوارس»؛ لأنَّ هذا مِمَّا لا يستعمل في النِّساء، فأمنوا الالتباس، ويقولون في المثل: «هو هالك في الهوالك» فأجروه على أصله؛ لكثرة الاستعمال؛ لأنَّه مَثَل، فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشَّعر أجراه على أصله، فقال: «نواكس الأبصار»، ولا يكون مثل هذا أبدًا إلا ضرورة)([4]).

قلت: انظرْ أيضًا رعاكَ الله إلى كلام المبرّد، ونصِّه على أنَّه لم يُستعمل في النساء، فأمنوا الالتباس، وهو معنى كلام ابن سيده كما سيأتي: (لم نسمع امرأةً فارسِةً).

وذكر البغدادي أنَّ ما جُمع من هذا النَّمط إحدى عشرة كلمة، وهي: (حواج)،
و(حَواجب)، و(حوارس)، و(خواشع)، و(دواجه)، و(روافد)، و(شواهد)، و(غوائب)،
و(فوارس)، و(نواكس)، و(هوالك).

وما قاله مجانب للصَّواب، فقد ذكر أبو حيَّان قولهم: (نواشي جمع (ناشئ) من الغلمان، وذكر ابن هشام: (سوابق)، ووقعتُ في تهذيب اللغة وغيرِهِ على أُخرى، وهي قولهم: (خالف من الخوالف). وذكر بعض الباحثين أنَّ عددها جاوز الثَّلاثين، فذكر: (حواسر)، و(سوابح)، و(صواحب)، و(عواجز)، و(قواري)، و(كواهن)، و(نواكص).

مما تقدَّم يتبيِّنُ لنا أنَّ مراد ابن سيده من قوله: (ولم نسمعْ امرأةً فارسةً) هو: عدمُ مجيءِ الصِّفة على (فاعِلة) بتاء التأنيث، ولم تتكلَّم العرب به، فلم يقولوا: (فارسة)، وإنَّما المشهور والمعروف: (فارس)، لذلك جمعوه على (فواعل)، لعدمِ التباسِهِ بالمؤنَّثِ، لعدم جريانه على لسانهم، وقد تقدَّم كلام المبرد أنَّهم لا يجمعون ما كان من (فاعل) نعتًا على (فواعل)؛ لئلا يلتبس بالمؤنَّثِ، لا يقولون: ضارب، وضوارب؛ لأنَّهم قالوا: ضاربة وضوارب.

وأكَّد ابن خالويه ذلك فقالَ في باب: (ليس في كلام العرب فاعل صفة جُمعت على فواعل): (...لأنَّ فواعل إِنَّما هي جمعُ فاعلة؛ لا فاعل، مثل: ضاربة وضوارب، وأَمَّا فاعل إذا كان اسمًا فإِنَّهُ يَجيءُ على فواعل كثيرًا) ([5])، وقال الجوهري: (...فَأَمَّا فوارسُ؛ فلأنَّهُ شيءٌ لا يكون في المؤنَّثِ، فَلَم يخف فيه اللَّبْس) ([6]).

وفي الختامِ أنقل كلام ابن سيده نفسه كما في المحكم كاملًا من دون اجتزاءٍ، قال: (والفارِسُ صاحبُ الفَرَس على إرادةِ النَّسَب والجمع فُرْسانٌ وفَوارِسُ، وهو أحدُ ما شَذَّ من هذا الضَّرب فجاء في المذكَّر على فَوَاعِلَ، ولم نَسْمع امرأةً فارسَةً) ([7]).

وقد بَيَّن ذلك وفصَّله في كتابه المخصَّص فقال معقِّبًا على كلام سيبويه: (...لِأَن هَذَا اللَّفْظ يَعْنِي: فَارِسًا، وفوارسَ، لَا يقعَ فِي كَلَامهم إِلَّا للرِّجَالِ، فَلَمَّا لم يخَافُوا الالتباسَ كَسَّروهُ على فَواعلَ) ([8]).

د. محمد عناد سليمان

الخبير لغوي في المعجم التَّاريخي للغة العربية ف مجمع اللغة العربية بالشَّارقة

10 / 09 / 2022م

 

([1]) شرح الكافية الشَّافية: 2/276.

([2]) ارتشاف الضَّرب: 1/449.

([3]) الكتاب: 4/108.

([4]) الكامل في اللغة: 2/45.

([5]) ليس في كلام العرب: ص377.

([6]) الصحاح: 3/957.

([7]) المحكم: 8/481.

([8]) المخصص: 2/105.