حركت المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي مجلس الامن الذي وافق على عقد جلسة خصصت للبحث في وضع غزة، فيما نشرت المجزرة ظلالا دموية على اسر الشهداء في بيت حانون.
مجلس الامن
وافق مجلس الامن التابع للامم المتحدة على السماح للدول العربية والاسلامية بالتعبير عن مخاوفها من تصاعد العنف الاسرائيلي الفلسطيني بعد قصف مدفعي اسرائيلي قتل 18 مدنيا في قطاع غزة.
ودعا المجلس المؤلف من 15 دولة أعضاء الأمم المتحدة الي التحدث في جلسة علنية بشأن غزة يوم الخميس بعد أن رفض طلبا سابقا لعقد جلسة طارئة.
وتريد السلطة الفلسطينية من مجلس الامن أن يتبنى قرارا يدعو الى وقف متبادل لاطلاق النار في قطاع غزة والي ارسال مراقبين للامم المتحدة الى المنطقة لفرض تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار على غرار ما حدث في جنوب لبنان عقب الحرب بين اسرائيل وحزب الله التي استمرت 34 يوما وانتهت في اب/ اغسطس.
لكن الولايات المتحدة أوثق حلفاء اسرائيل واحدى الدول الخمس الدائمة العضوية التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الامن دأبت على رفض تدخل المجلس في الصراع في الشرق الاوسط بدعوى انه غير فعال في انهاء حلقة العنف بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
وقال دبلوماسيون ان أعضاء المجلس التزموا الصمت يوم الثلاثاء بعدما قدمت قطر العضو العربي الوحيد بالمجلس طلبا لعقد اجتماع طاريء.
وعندما سُئل عن الرد الاولي للمجلس على الطلب قال جون بولتون سفير الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة "لم يكن هناك تأييد له." وبموجب ميثاق الامم المتحدة فان مجلس الامن مسؤول عن التعامل مع التهديدات التي تواجه السلم والامن الدوليين.
وانضمت منظمة المؤتمر الاسلامي التي تضم 57 دولة وجامعة الدول العربية التي تضم 22 عضوا الي السلطة الفلسطينية في دعوتها الي عقد جلسة طارئة.
وقدم الطلب الاولي يوم الاثنين قبيل انتهاء العملية العسكرية الاسرائيلية التي استمرت أسبوعا في بلدة بيت حانون بشمال قطاع غزة وأسفرت عن استشهاد 52 فلسطينيا أكثر من نصفهم من النشطاء.
وقالت اسرائيل ان العملية استهدفت كبح الهجمات الصاروخية للنشطاء الفلسطينيين في غزة على أهداف مدنية اسرائيلية. وانسحبت القوات الاسرائيلية من بيت حانون يوم الثلاثاء.
لكن هجوما اسرائيليا بالمدفعية يوم الاربعاء أسفر عن استشهاد 18 مدنيا فلسطينيا في شمال غزة وأثار موجة انتقادات في اوروبا والشرق الاوسط لتكتيكات الدولة اليهودية في القطاع الذي انسحبت منه العام الماضي.
واشنطن
وحث الرئيس الاميركي جورج بوش على ضبط ودعا الي استكمال سريع لتحقيق تجريه اسرائيل في الهجوم.
ولم يتضمن بيان بوش توبيخا لاسرائيل التي من المنتظر ان يجتمع رئيس وزرائها معه في واشنطن يوم الاثنين. وعادة ما يحجم الرئيس الأميركي عن انتقاد الأعمال العسكرية لاسرائيل حليف الولايات المتحدة الوثيق.
وقال بوش في بيانه "الولايات المتحدة تشعر بحزن عميق للاصابات والأرواح التي أُزهقت في غزة اليوم... علمنا باعتذار من الحكومة الاسرائيلية وندرك أن تحقيقا بدأ."
وأضاف قائلا "نأمل ان يستكمل سريعا وان تتخذ الخطوات المناسبة لتفادي تكرار هذا الحادث المأساوي. نناشد جميع الاطراف التصرف بحرص وضبط النفس من اجل تفادي إلحاق أي أذى بالمدنيين الأبرياء."
وكان هذا أكبر عدد من القتلى في هجوم اسرائيلي واحد على الفلسطينيين في أربعة أعوام وسارعت حركتا حماس والجهاد الاسلامي الي التعهد بالانتقام.
وقوبل القصف الاسرائيلي الذي استهدف بلدة في شمال غزة أطلق منها ناشطون فلسطينيون صواريخ عبر الحدود على الدولية اليهودية بادانة في أرجاء اوروبا والشرق الاوسط.
وعبر مكتب اولمرت عن الأسى لوفاة المدنيين وصدرت أوامر بوقف القصف في غزة لحين اكتمال التحقيق الرسمي.
الرعب في بيت حانون
كانت حقائب محمد واحمد البالغين من العمر ثماني وتسع سنوات معدة للذهاب الى المدرسة ولكن قذيفة مدفعية لم تمهلهما الوقت فقتلتهما وزرعت الرعب في منزلهما.
غطت الدماء سريري الطفلين واستشهد تسعة اخرين من افراد عائلتهما عائلة العثامنة من جراء القصف الاسرائيلي على بيت حانون.
وبلغت الحصيلة الاجمالية للقصف الاربعاء 19 شهيدا وقرابة 40 جريحا في بيت حانون التي كانت مسرحا منذ اسبوع لعملية عسكرية اسرائيلية واسعة النطاق.
وانهارت احدى واجهات المنزل واخذ احد اعمام الطفلين ابراهيم العثامنة يصرخ بصوت مرتعش "كانوا كلهم نائمين وسقطت القذائف في غرف النوم".
ففي الخامسة والنصف وفيما كان سكان شارع حمد اما غارقين في النوم او استيقظوا لتوهم لاداء صلاة الفجر او الذهاب الى اعمالهم سقطت ست قذائف على الاقل على عدة منازل. وكان من بين الضحايا اربع نساء واربعة اطفال.
وكان ابراهيم في طريقه الى عمله عندما وقع القصف. ويقول باكيا "استشهد اشقائي السبعة". ويضيف وهو يقف مذهولا اسفل المنازل التي طالتها القذائف وقد غاصت قدماه في برك الدم والماء بينما تناثرت على الارض اشلاء بشرية "كنت ذاهبا الى العمل وكنت ما زلت قريبا من المنزل عندما سقطت اول قذيفة".
ويتابع وهو يرتجف "في البداية ظننت انه قصف مثل الذي شهدناه كل يوم خلال الفترة الاخيرة ولكني سمعت بعدها خمسة انفجارات اخرى". ويروي "عدت على الفور ورايت اشياء لا يمكن وصفها لقد كان هناك بحر من الدماء" ثم يصيح "انهم مجرمون..انها مجزرة".
ويؤكد وهو في حالة اقرب الى الهذيان "كل اطفالي اصيبوا ولا اعرف حتى الان ان كان احدا منهم قتل".
ووقعت هذه المأساة غداة انسحاب الجيش الاسرائيلي الذي اعاد الاسبوع الماضي احتلال بلدة بيت حانون التي يقطنها 30 الف شخص والتي لم يبق فيها شارع واحد مغطى بالاسفلت بعد ان اقتحمتها الدبابات الاسرائيلية.
ويقول سعيد (50 سنة) من افراد عائلة العثامنة ايضا "اننا منهكون منذ بدات العملية الاسرائيلية الاخيرة وهذا الصباح اتصل بي شخص وقال لي (حصلت مجزرة كبيرة لعائلتك)".
ويضيف والدموع تنهمر من عينيه "لم نستطع ان ننقل على الفور الموتى والمصابين الى المستشفى فلم تتمكن فرق الاسعاف من الوصول الا بعد 30 دقيقة".
ويضيف الرجل وقد غطت الدماء ملابسه "لقد ارتكبوا مجزرة جديدة بهدف واحد وهو دفع جميع السكان الى الفرار من البلد ان اسرائيل لا تريد ان ترى اي شخص في بيت حانون واطلاق الصواريخ (الفلسطينية على اسرائيل) ليس الا ذريعة".
اكرم شقيق الرجال السبعة الذين قتلوا في القصف الاسرائيلي يكاد يكون فقد النطق ويقول بصعوبة بنظرات تائهة "لم استطع ان اصدق عيني فقد رايت ابنة احد اشقائي وقد فصلت راسها عن جسدها بينما فقد احد اشقائي يده".
وفجاة تصرخ زعلة ابو جراد وهي جارة لعائلة العثامنة وهي تقف على عتبة بيتها "لماذا؟" فيما يتدافع الناس في شارع حمد وسط سيارات الاسعاف التي تنقل الضحايا والجرحى. وتنوح هذه السيدة وهي تقول "عمري 60 عاما ولم ار شيئا كهذا طوال حياتي".
اما نبيل (38 سنة) وهو ابن شقيق احد الضحايا فان القصف يعزز قناعاته ويؤكد ان "اهالي بيت حانون لن يكفوا عن مقاومة الاحتلال .. سنستمر في مساندة المجاهدين لانهاء الاحتلال".
وفي بلدة بيت لاهيا المجاورة نزل اعضاء حركة حماس الى الشارع للتظاهر على الفور والدعوة الى استئناف المقاومة. وقال نزار ريان وهو يمسك بمكبر للصوت في يده "اننا نناشد مجاهدينا ان يستانفوا العمليات الاستشهادية في تل ابيب والقدس وحيفا ويافا وفي كل مكان".