ويتساءل الكثير من العراقيين عما اذا كانت القوات الامريكية التي انسحبت من المدن في نهاية يونيو حزيران بموجب اتفاق أمني ثنائي ستنتشر مجددا لسد الثغرات الامنية.
ووقعت ستة انفجارات على الاقل بالقرب من مباني وزارات حكومية وأهداف أخرى في قلب الادارة التي يقودها الشيعة بالعراق بعد أسابيع من انسحاب القوات الامريكية المقاتلة من المدن في يونيو حزيران لتقوم قوات الامن العراقية بالدور القيادي.
وقال اللواء محمد العسكري المتحدث باسم وزارة الدفاع لمجموعة من المسؤولين العسكريين الامريكيين والعراقيين انه يجب مواجهة الحقائق والاعتراف بالاخطاء تماما مثل الاحتفال بالانتصارات. ويعكس تعقيبه تصريحات سابقة للواء قاسم الموسوي المتحدث باسم قوات الامن في بغداد. وقال الموسوي لقناة تلفزيون العراقية الحكومية ان هذه العملية تكشف عن الاهمال وانها خرق أمني تتحمل القوات العراقية معظم المسؤولية عنه. وكانت الحرب الطائفية التي عصفت بالعراق بعد الغزو الامريكي في عام 2003 قد تراجعت واحتفل العراق باستعادة السيادة في يونيو حزيران عندما انسحبت القوات الامريكية من المدن. وقالت الحكومة في وقت سابق هذا الشهر ان معظم الحواجز الواقية من التفجيرات في المدينة سترفع خلال 40 يوما في علامة على ثقتها في قوات الامن بعد انسحاب القوات الامريكية من المدن العراقية في يونيو حزيران وقبل الانتخابات المقررة في يناير كانون الثاني. لكن هجمات يوم الاربعاء المنسقة على أهداف تتمتع بحماية مكثفة بددت الشعور المتزايد بالتفاؤل بخصوص استقرار العراق.
وفي أحد الهجمات انفجرت شاحنة ملغومة بكمية كبيرة من المتفجرات قرب نقطة تفتيش أمنية تؤدي الى المنطقة الخضراء الحصينة فحطمت نوافذ وزارة الخارجية القريبة وتطايرت الشظايا في المكاتب المزدحمة مما أسفر عن مقتل العشرات.
وقالت موظفة بوزارة الخارجية ذكرت ان اسمها آسيا "تهشم زجاج نوافذ وزارة الخارجية وقتل الناس بالداخل ورأيت موظفين بالوزارة وصحفيين وحراس أمن من بين القتلى."
وكان الانفجار من القوة بحيث أدى الى تحطم بعض نوافذ البرلمان العراقي في المنطقة الخضراء. ومن الممكن أن تؤدي هذه الهجمات الى تقويض الثقة في رئيس الوزراء نوري المالكي قبل الانتخابات البرلمانية. ونادى المالكي في بيان الى مراجعة الخطط الامنية وقال "ان العمليات الاجرامية التي حدثت اليوم تستدعي بدون ادنى شك اعادة تقييم خططنا وآلياتنا الامنية لمواجهة التحديات الارهابية والاحتفاظ بالمبادرة وسحب الظرف الامن للمنظمات الارهابية وزيادة التعاون بين الاجهزة الامنية وابناء الشعب بجميع مكوناته والوقوف بوجه محاولات التشكيك بقدرة قواتنا المسلحة التي اثبتت قدرة عالية في التصدي للارهابيين." لكن محللين ومواطنين عاديين اختلفوا مع هذ الرأي.
وقال حميد فاضل المحلل السياسي في جامعة بغداد ان هذه التفجيرات مقصود بها أن ترسل رسالة الى العراقيين والعالم مفادها أن المتمردين لا يزالون موجودين وما زالت لديهم القدرة على عرقلة العملية السياسية.
وخلت شوارع العراق التي تكون مزدحمة عادة من المارة وصب العدد القليل من الاشخاص الذين كانوا في الخارج غضبهم على قوات الامن العراقية. وقال هيثم عادل وهو عامل "قوات الامن لا توفر الامن." ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات لكن الموسوي قال ان عضوين من القاعدة اعتقلا عندما تم اعتراض سيارة ملغومة أخرى. وعرض التلفزيون العراقي في وقت لاحق لقطات لشاحنة محملة بخزانات المياه المحشوة بالمتفجرات وتم إبطال مفعولها.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية ايان كيلي في واشنطن ان الحوادث المنسقة في السابق تحمل "علامات" القاعدة. وأضاف "لكن ليس لدي أي معلومات مؤكدة" تشير الى القاعدة. وأُلقيت المسؤولية على الجماعات الاسلامية السنية عن سلسلة تفجيرات وقعت في الشهرين الاخيرين في اماكن توجد بها أكثرية شيعية كالمساجد في العاصمة وفي شمال العراق.
وقالت الشرطة ان انفجار شاحنة ثانية في حي الوزيرية قرب وزارة المالية أدى الى مقتل 28 شخصا على الاقل وتسبب في دمار واسع. وقال شاهد عيان لرويترز ان جزءا من جسر يحمل طريقا سريعا قرب المبنى انهار.
وقالت بتول العمري الموظفة في الوزارة "فجأة هز انفجار قوي المبنى وتطاير الزجاج...وأصيب معظم الموظفين بسبب الزجاج بينما أصيب اخرون وانا من بينهم بالارتجاج... صحوت والدم يغطي وجهي كله."
واتهم نواب عراقيون وبعض المسؤولين دولا مجاورة من بينها السعودية وايران وسوريا باشعال العنف في العراق. ويقول محللون ان هذه قد تكون حيلة لصرف الانتباه عن أوجه القصور الداخلية.
ووقع انفجار آخر قرب مكاتب رويترز في حي الكرادة بوسط بغداد مما فتح الابواب والنوافذ. وأمكن مشاهدة أعمدة الدخان تتصاعد من عدة مواقع.
وقالت الشرطة ان مبنى الحكومة المحلية لبغداد تعرض لهجوم بقذائف المورتر وكذلك حي الصالحية بوسط بغداد والذي تقع فيه قواعد للجيش ومحطة تلفزيون.
وقال حراس مجمع الامم المتحدة في بغداد ان ما يعتقد أنه قذيفة مورتر واحدة على الاقل سقطت بالقرب من المجمع بالمنطقة الخضراء مما روع موظفي الامم المتحدة الذين يحيون الذكرى السادسة لتدمير مقرهم السابق في بغداد بشاحنة ملغومة مما أسفر عن مقتل مبعوث الامم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو وآخرين.
ما الذي حدث؟
يقول محللون ان قوات الامن العراقية ضللت لينتابها شعور زائف بالثقة من خلال تراجع اعمال العنف الطائفي التي أودت بحياة عشرات الآلاف في الاشهر الثمانية عشر الماضية.
وأصبح هناك تراخ في تفتيش السيارات عند نقاط التفتيش ببغداد ولا يجري افراد الجيش والشرطة العراقيون عمليات تفتيش كاملة عن المتفجرات في السيارات ولا يراجعون أوراق الهوية كما ينبغي.
كما تعتمد قوات الامن على نقاط تفتيش دائمة وثابته وليس نقاط تفتيش متنقلة ومرتجلة تجعل التحرك من مكان الى اخر اكثر مجازفة بالنسبة للمتشددين. ومن السهل تجنب نقاط التفتيش الثابتة.
وقال خبير أمني عراقي طلب عدم نشر اسمه "غيروا تكتيكاتهم لكن سياستنا الامنية كما هي. هذه السياسة كانت ناجحة حين كان عدونا في الشوارع يقاتل وجها لوجه. لكن الان يأخذون بزمام المبادرة ولديهم القدرة على شن هجوم في اي مكان وفي اي وقت."
والدوافع وراء هجمات يوم الاربعاء سياسية وتهدف فيما يبدو الى تقويض الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد اكثر مما تهدف الى اشعال أعمال العنف الطائفي من جديد. وتحتاج قوات الامن الى التحلي بمزيد من المرونة للتعامل مع أهداف متغيرة تقل التوقعات بشأنها. هل توفر الخصومات السياسية أهدافا معرضة للهجوم؟
ربما ضمن الخلاف بين الاغلبية العربية والاكراد الذين يتمتعون بشبه استقلال في اقليم كردستان والتوترات الطائفية بين الشيعة والسنة الذين كانوا مهيمنين ذات يوم والمنافسة بين الفصائل الشيعية قبل الانتخابات أن تصبح وزارتا الخارجية والمالية هدفين سهلين.
وتحمي قوات البشمركة الكردية وزارة الخارجية التي يتولاها الوزير الكردي هوشيار زيباري بينما تحرس قوات الحكومة الشوارع خارجها. ويقول الخبراء ان الجانبين لا يتبادلان الحوار او ينسقان التكتيكات الدفاعية.
من ناحية أخرى فإن وزارة المالية تسيطر عليها احدى الفصائل الشيعية الرئيسية وهي المجلس الاعلى الاسلامي العراقي لكنها تقع في جزء من بغداد يغلب على سكانه السنة.
والاغلب أن مجالس الصحوة وهي ميليشيات مدعومة من الولايات المتحدة تحرس الاحياء السنية وتلعب دورا في حفظ الامن بالمنطقة لا تعير اهتماما كبيرا للاحتياجات الامنية للوزارة ومن المتصور أنه يمكن اقناع بعض أعضائها بغض الطرف عن التهديدات.
ويقول محللون ان نقاط الضعف التي سببها عدم الوصول الى حل للنزاعات العرقية والطائفية بالعراق زادت من أهمية تحقيق حكومة المالكي للسلام مع الاكراد وضمان شعور السنة بأنهم يتمتعون بنصيب عادل من السلطة.
ما الذي تحتاج القوات العراقية لعمله من اجل حماية البلاد..
يقول محللون وضباط بالجيش ان من النادر الانتصار في مجال مكافحة الارهاب من خلال نشر أعداد كبيرة من القوات عند نقاط التفتيش او في الشوارع.
وتقول مصادر مطلعة على شؤون الحكومة ان جمع معلومات المخابرات المحلية تعوقه الخصومات. واشتكى خبير عراقي قائلا "ننشيء أجهزة المخابرات لكن بدلا من جمع المعلومات عن أعدائنا تكتب تقارير عن بعضها البعض."
وتدعم الولايات المتحدة جهود العراق للدفاع عن نفسه من خلال امداده بالمعلومات التي تجمعها عبر شبكات مخابرات بشرية وتكنولوجية. لكن بعض قيادات الجيش العراقي تقول انها لا تبذل ما يكفي من الجهد.
وقال لواء عراقي طلب عدم نشر اسمه "انهم لا يعطوننا معلومات مخابرات الا حين تؤثر على أمن قواتهم."
هل يحتاج العراقيون الى مساعدة الولايات المتحدة؟
ربما. لكن المحتمل أن يكون السؤال محل جدل.
حتى اذا قرر المسؤولون العراقيون أنهم بحاجة الى مساعدة من الجيش الامريكي للتغلب على الخلايا المتبقية من تنظيم القاعدة او الموالين لحزب البعث فقد لا يطلبونها.
وراهن المالكي على مستقبله السياسي باحتفاله باستعادة سيادة العراق وهو يسعى الى أن يعزى اليه الفضل في الانخفاض الحاد في أعمال العنف على مدار الاشهر الثمانية عشر الماضية قبل انتخابات يناير.
وسددت تفجيرات الأربعاء ضربات قوية لسمعة وصورة المالكي وقد أصدر أمرا بمراجعة السياسة الامنية.
غير أن من المرجح أن يصر رئيس الوزراء على أن تضمن قوات الجيش والشرطة العراقيين وحدهما سلامة البلاد من الهجمات المستقبلية.
وحتى اذا عادت القوات الامريكية الى المدن فمن غير المرجح أن تستطيع منع كل تفجير فقد كان عدد التفجيرات والخسائر بين المدنيين حين كان الجيش الامريكي يقود القتال اكبر كثيرا من عددها الان.