القدس: عاصمة للثقافة

تاريخ النشر: 16 مارس 2009 - 09:52 GMT

تقرير عاطف أبو الرب

المتتبع لمجريات الأحداث في فلسطين عامة والقدس خاصة، يرى بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل ماضية في طريقها لطمس المعالم العربية والإسلامية من هذه المدينة. وهذا لم يعد سراً، بل تجاهر به دولة الاحتلال، وتدعي أنه حق لها، وعليه فإنها تقوم بكل ما يمكنها من تحقيق هذا الهدف. السؤال هنا ماذا ينتظر العرب؟

لا آتي بجديد إذا قلت إن عام 2009 ينذر بالمزيد من عمليات هدم المنزل العربية، وتشريد سكانها بعيداً عن القدس، وتحويل أحياء عربية كاملة لمناطق نفوذ جماعات يهودية متطرفة. فمن بيت أم كامل، إلى حي البستان، إلى حي الطور، فالشيح جراح تتواصل الهجمة الإسرائيلية.

فأحدث الحملات العنصرية بحق القدس كانت بإخطار عشرات العائلات في حي الثوري بضرورة إخلاء منازلها، تمهيداً لهدمها، فحسبما أفادت به الحركة الإسرائيلية ضد هدم البيوت، فإن بلدية القدس سلمت في الخامس من آذار/مارس أوامر هدم لعمارتين في حي أبو طور(الثوري) لمالكيها. وقد أعطت بلدية القدس العائلات مدة 10 أيام لإخلاء منازلها لتنفيذ عملية الهدم.

وحسب ورد في بيان وزعته الوكالة في العام 2001 انتهى بناء العمارتين، ويسكنهما اليوم 32 عائله، هذا ويبعد الحي أمتارا معدودة من خيمة الاعتصام في حي سلوان. ويجدر التنويه إلى أن أل 32 عائله ألمقيمه في العمارتين يمتلكون الشقق وليسوا بمستأجرين ولم يكن لهم يد في إجراءات التخطيط والبناء، كما أن كلا العمارتين تستوفيان جميع الوثائق القانونية والرسمية.

هذا في وقت تواصل سلطات الاحتلال حملاتها ضد سكان سلوان، فحملات التجريف مستمرة ومتواصلة وإخطارات الهدم والإخلاء في تجدد. حيث لا يكاد يمر أسبوع إلا وتحرر هذه السلطات إخطارات جديدة، ولسان حال المواطنين في القدس يقول" نيال اللي بيصبح بهم بايت".

هذه الممارسات تؤكد أن إسرائيل ماضية في تأكيد يهودية القدس، وأنها عاصمة أبدية لدولة الاحتلال. كما أن هذه السياسة تعتبر ترجمة حقيقية لما تخطط له دوائر القرار في دولة الاحتلال.

عربياً يحتفل العرب هذا العام بالقدس عاصمة الثقافة العربية، حيث تم إعداد البرامج في مختلف الدول العربية لإحياء هذه المناسبة. حيث منذ أكثر من عام تم تسمية القدس عاصمة للثقافة العربية. وحقيقة فإن هذه المبادرة تشكل تأكيداً رمزياً باعتبار القدس عاصمة فلسطين.

ومنذ بداية العام الحالي، وحتى قبل نهاية العام الماضي، وضعت عدة دوائر عربية برامج وخطط لإحياء هذه المناسبة بما يليق بالقدس. حيث خصصت الفضائيات العربية ساعات تيث من خلالها لقاءات أدبية، وبرامج تاريخية، وغير ذلك من برامج تعزز معرفة المواطن العربي بالقدس، وتاريخها.

هذا في حين أعدت دوائر السلطة الفلسطينية العديد من البرامج والخطط بهذه المناسبة. وبكل أسف فإن الغائب عن هذه البرامج المقدسيين أنفسهم، حيث أن سلطات الاحتلال تعيق وتعرقل تنفيذ أي نشاط فلسطيني في إطار إحياء هذه المناسبة. هذا الأمر يفرغ مناسبة القدس عاصمة الثقافة العربية من روحها، التي بدونها لا يمكن لأي احتفال أن يزيل الحزن من علا أسطح وقمم القدس. تلك القدس التي اكتست بشوائب تتمثل ببؤر استيطانية أقيمت غصباً في كل أزقة القدس.

ومع أن الفلسطينيين يحاولون إحياء المناسبة بكل ما لديهم من إمكانيات، إلا أن الوقت يمضي سريعاً، فيما لا زالت المناسبة غائبة عن غالبية المجتمع الفلسطيني. فمع أن اللجنة العليا لإحياء المناسبة عملت وتعمل بجد من أجل إحداث أثراً يليق بالمناسبة، إلا أن هذه النشاطات لم تؤتي أكلها بعد.

وكيف لهذه الاحتفالات أن تحدث صدى، فيما مئات العائلات في القدس يلاحقها شبح بلدوزرات الاحتلال، وعيونهم مفتوحة طوال الوقت خوفاً من قرارات هدم وإخلاء لا تستثني أحد؟ وكيف للفلسطينيين أن يحتفلوا بعاصمة الثقافة، وهم عاجزون عن مجرد التجول بشوارعها؟ كيف لهم أن يتغنوا بالقدس عاصمة لهم،وهم أعجز ما يكون عن نصرة القدس وأهلها؟

أجزم أن الكل الفلسطيني يتوق للاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية، ليس هذا فحسب، بل فإن الفلسطيني يحلم بأن يمتع نظره بالقدس ومباني القدس، ويكفي الفلسطيني من الدنيا أن يستظل بظل بيت من بيوتها العتيقة. هذا فيما يصلي الملايين من الفلسطينيين والعرب والمسلمين لله، بأن يكتب لهم صلاة في القدس، ومسجدها الأقصى. ولذا فإن حالة القهر التي تعصف بالكل الفلسطيني تلقي بظلالها على المناسبة، وتفقدها روحها.

وكم هو عظيم أن يتم اعتماد القدس عاصمة للثقافة العربية،ولكن كيف يمكن لنا أن نحتفل بعيداً عن القدس؟ وهل يمكن لهذه الاحتفالات وهذه اللقاءات أن تثني إسرائيل عما تفكر به، وعما تخطط له؟ وهل يمكن لكل الاحتفالات التي تبث عبر الفضائيات أن تعترض جنازير تلك الجرافات التي تواصل جرائمها بحق القدس؟ وهل إطلاق اسم القدس عاصمة للثقافة العربية أن يغير حقيقة أن إسرائيل تصر على أن تبقى القدس عاصمة أبدية لدولة الاحتلال؟

بدون مجاملة لمشاعرنا الزائفة في أحيان كثيرة، إن ما يجري في إطار احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية لا يغير الواقع قيد أنمله. وحقيقة أخرى أن إسرائيل تستغل انشغال الكل العربي، الرسمي والشعبي، بهذه المناسبة لتثبت حقائق جديدة في القدس. ففي الوقت الذي نمضي به في احتفالاتنا، فإن إسرائيل ماضية بهدم المزيد من البيوت العربية في أحياء القدس. وفي الوقت الذي تنشغل فيه الفضائيات ببث البرامج حول القدس، تنشغل دوائر التخطيط في بلدية القدس وبقية دوائر الاحتلال بوضع الخطط التي من شأنها أن تطمس كل المعالم العربية من المدينة. فنحن نرقص ثملاً وخبلاً، وهم يقيمون كل يوم حقيقة جديدة في القدس.

ولا أدري إن كان العرب يرون بأن ما يقومون به خلال هذه الاحتفالية يعفيهم من المسؤولية تجاه القدس. وصار الحليم حيراناً في هذا الزمان، ويبدو أن البعض قد وجد في هذه المناسبة الرمزية ما يخفي خلفها عجزه وتقصيره تجاه القدس. لا بل أكثر من ذلك، فإنني أرى أن البعض الرسمي لم يشارك بالمناسبة حتى لا يسجل عليه موقف يحاسب عليه في يوم من الأيام. فمهما يكن فإن حالة القدس يرثى لها جراء العجز العربي الذي أصبح سمة العصر.

كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مدينة جنين

[email protected]