القبيسيات في سوريا: بين التكفير والتبجيل والحيرة

تاريخ النشر: 16 سبتمبر 2006 - 06:51 GMT

دمشق: نبيل الملحم

ستكون ايديت، لافتة للنظر بجلبابها الأزرق، وغطاء رأسها الأزرق، وعينيها الزرقاوين ، عينان مشعتان ذكيتان، تفضحا قلقا يسترخي بين شباب وشابات ينتمون الى فكر آخر.. فكر علماني، أو تأملي، وربما فكر مازال يبحث عن هويته، في غرفة ضيقة، هي موقع متخصص بقضايا حقوق المرأة، فيما ستكون ايديت قادمة لتوها من جامع (أبو النور)، الجامع الذي أسسه الشيخ أحمد كفتارو.. محملة بفائض من الخوف وهي تخلع الحجاب والجلباب، مستعيدة رشاقة بالغة، وبعدها لتترجم الى الانكليزية محصلة يوم من البحث.

ايديت بنت هنغارية الأصل، تحمل الجنسيتين الألمانية والأمريكية، وصلت دمشق، وانتظمت في مدرسة أبو النور، أشهر المدارس الدينية وأكثرها امتدادا وتبشيرا بين المدارس الإسلامية السورية، وهي المدرسة التي مازالت ظلال مفتي سوريا الراحل أحمد كفتارو مخيمة عليها، كما مازال الشيخ محمد سعيد البوطي أحد أبرز رعاتها، فيما بات من المتداول أنها المدرسة الراعية للأمهات القبيسيات، الظاهرة التبشيرية الإسلامية، والتي أطلقتها الآنسة (وهو لقبها) منيرة القبيسي، المولودة في العام 1933 قبل ثلاثة عقود تقريبا ، والقبيسي ،خريجة كلية العلوم في جامعة دمشق، السيدة التي يكفرها الرفاعيون والأحباش والوهابيون، ويجرحها العلمانيون، ويمجدها النقشبنديون الصوفيون، والتي يقدر عدد مريداتها في سوريا بما يزيد عن 75 ألف سيدة من سيدات المجتمع المخملي السوري، لتمتد حركتها التبشيرية الى الأردن تحت اسم الطباعات (نسبة الى فاديا الطباع) ، والى لبنان تحت اسم السحريات ( نسبة الى سحر الحلبي) ، وتمتد الى الكويت ودول الخليج كما الى كندا والولايات المتحدة الأمريكية.

ايديت، التي تقيم رسميا في منزل يقع في منطقة الجسر الأبيض في دمشق،وتقيم فعليا في مسكن من مساكن منطقة باب توما، كانت قد أعلنت إسلامها، وتجلببت، غير إنهما (إعلانها لإسلامها وجلبابها) لن يحولا في لحظة انفلات من رقابة مراقبيها، أن ترسم فوق جدران بيتها في باب توما، الكثير من إشارات السخرية من كل العقائد الدينية، ومن بعدها أن تكشف عن وشم تحت سرتها، هو الهوية التي تعود إليها في لحظة انعتاق، مما اعتبرته :"مهمة علمية قاسية"، فيما يمكن لآخرين اعتباره مهمة استخبارية قاسية، أو مهمة صحفية قاسية، ولكنه لن يكون بالوسع اعتبارها سلوكا فضوليا لبنت مستشرقة، مسكونة بالسؤال والجنس، كما بتسجيل أدق الملاحظات في دفتر يومياتها خصوصا المتصل (بالقبيسيات)، التنظيم النسائي الأكثر انتشارا في سوريا.

تنقل ايديت عن القبيسيات اعتقادهن بأنهن حررن الكويت بصلواتهن عام 1991، وأنهن تنظيم بنته منيرة القبيسية بنصيحة من والدها مدعومة بتزكية من مفتي سوريا السابق أحمد كفتارو، وأن هذا التنظيم، أو الحركة الدينية، يركز في تبشيره على بنات العائلات المعروفة ماليا اجتماعيا، كما أن ضوابطه واسعة ودقيقة، والأبرز فيه:

- أوامر الشيخة مطاعة، فطاعتها من طاعة رسول الله.

- المريدة جسد متفاني في خدمة الآنسة (منيرة القبيسي).

- لا وصول الى الله من غير مربية.

- لا اعتراض على (الآنسة) فمن يعترضها لن ينجح.

أما الطقوس، فهي طقوس يكتنفها الكثير من السرية، ستتوقف ايديت عن الدخول في تفاصيلها، فالزوج المصري المرشح لايديت، كان قد حذر منها، وكان قد نشر تحذيراته على مواقع من الانترنيت ، وكان على ايديت أن توقف مغامرتها ما دفعها الى الرحيل عن دمشق، والعودة إليها ومن ثم الرحيل عنها، والمتوقع أنها تعيش الآن في ألمانيا، بعد سلسلة من الرحلات،جزء منها كان الى تركيا، غير أن جزءا من ملاحظات ايديت، التي سجلتها لبحثها، إن :" القبيسيات،حركة نسوية صارمة، الأوامر فيها مطاعة، وطاعة الآنسة أوالشيخة أهم من طاعة الأم والأب" وأضافت مجموعة من الحوادث منها:" طلاق إحدى السيدات السوريات من زوجها، وهو كردي يحمل لقب أغا، لأنه شكك بالآنسة".

لكن طقوس القبيسيات المعلن عنها في دراسات متفرقة،تقول:

- " يكون الذكر بترديد اسم الله مفردا، الله، الله، الله، وذلك بطريقة خاصة، عن طريق رفع مقدم اللسان الى سقف الحلق، ووضع اليد اليمنى على القلب مع حركة كف اليد من أعلى الى أسفل على الجهة اليسرى من الصدر"

- زيارة الشام واجبة لنساء الحركة ، لزيارة منيرة القبيسي ، كعبة المعاني.

وللحركة ذكر يطلق عليه الصلاة النارية:" اللهم صل صلاة كاملة ،وسلم سلاما تاما على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب وحسن الخواتم، ويستقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم في لمحة ونفس عدد معلوم لك"

ومن المشاع، وليس ثمة ما يؤكده في ممارسة القبيسيات لطقوسهن ماذكرته سيدة ،وهو التالي:"يتم إطفاء الأنوار،ويبدأ الذكر الجماعي، مئات المرات ، والتي تصرخ يحتفى بها وهذا نوع من الكرامة" و : " يتم أيضا ضرب الدفوف في المسجد مع الذكر ،حتى أنهم أنشدوا الآذان مع الضرب بالدف".

الاحباش والوهابيون، كفروا القبيسيات، ففيما يراهم صلاح الدين كفتارو:" حركة إسلامية وسطية تدعو الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة" ، وصفتهم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الكويت بكتاب حمل تاريخ 18 – 5- 1414 هجري :" الطرق الصوفية ومنها النقشبندية، كلها طرق مبتدعة مخالفة للكتاب والسنة" وأضافت اللجنة مستندة الى حديث للنبي محمد :" إياكم ومحدثات الأمر،فكل محدثة بدعة وكل بدعة ظلاله"، وأضافت اللجنة في وصف القبيسيات بأنهن:" مجموعة تؤمن بالحلول والوجود، وتعظيم أئمة الصوفية، كابن عربي والحلاج"،وقالوا على لسان منيرة القبيسي:" لقد عرف الحلاج الله حتى ذاب في حبه".

بين السياسي والعقائدي، يتأرجح التكفير، وهذا رأي لنبيل فياض، الباحث السوري في الإسلاميات، وأحد كهنة (المورمون)، يقول فياض "للبوابة" متسائلا :

- لماذا القبيسيات؟

وفي إجابته يقول:" لأن ذكور القوى الدينية المتطرفة أدركوا أن معركتهم مع النظام خاسرة، فالنظام خرج أقوى بعد هزيمة الإخوان المسلمين في الثمانينات، من هنا كان اللجوء الى النساء في مجتمع يعامل المرأة بتمييز ايجابي، وبالتالي فالحركة الأنثوية لا يمكن أن تواجه عقبات كالتي تواجهها أية حركة ذكورية، دون أن ننسى أن ذكورا من نوعية غير عادية تلعب دورا في الكواليس القبيسية، إضافة الى ذلك فان سيطرة النساء المتطرفات على الشارع السني السوري، كاف لخلق جيل متطرف بعد عشر سنوات،وهذا ماحصل في أعقاب النشاط القبيسي الذي لايهدأ"،ويضيف فياض تساؤلات تقول :" السؤال الذي يطرح نفسه عن تمويل التنظيم في مجتمع حيث المرأة نادرا ماتعمل،وان عملت فان دخلها لايكاد يكفيها،إذن،هنالك رؤوس كبيرة خلف هذا التنظيم وسوف تكشف الأيام صحة مانقول" .

معلومات أخرى تفيد أن الكثير من المؤسسات مملوكة للقبيسيات في سوريا،ومعظمها يتركز في المدارس، خاصة مدارس الإناث، وشهود عيان ينقلون أن أفخر السيارات تنقل القبيسيات، فيما سمح لشيخاتهن، إعطاء دروس في المساجد.

فياض يتابع للبوابة:" الحقيقة التي لا لبس فيها هي أن الجماعات الإرهابية التي تلبس قناع الدين، أو التي تقتنع بالفعل أنها تخدم الله بقتل عباده، تنظم نفسها في البداية ضمن بنى اجتماعية،مثلما هي حال القبيسيات في سوريا، لكن هذا فعل تكتيكي مرحلي، في انتظار أن يضعف النظام الذي يرى أن تنظيمات ذات الطابع الاجتماعي غير مهددة له بنيويا،هذه البنى ذات الطابع الاجتماعي، قابلة لأن تتحول بين عشية وضحاها الى ميليشيا سياسية عسكرية في حال ضعف النظام أو خيل لهؤلاء أن النظام ضعف، إن من عايش تجربة الإخوان المسلمين في سوريا،وتجارب الجماعات الدينية المتطرفة في مصر، يدرك بالمطلق،أن هذا الرأي لاغبار عليه،فالإخوان بعدا لحركة التصحيحية التي أرادت خلق شئ من جو ليبرالي في دولة أنهكها حكم أمين الحافظ ثم الثنائي المتمركس (الأناسي – زعين) استفادوا من الجو في انتشار أفقي أخذ الطابع الاجتماعي في البداية،ولما فهموا خطأ أن سكوت النظام عليهم علامة ضعف، بغض النظر عن زهوهم بما حققوه من شعبية كاسحة آنذاك في مجتمع أنهكته الفوضى والإرهاب،انقلبوا بالمطلق الى حركة إرهابية تكفيرية تقتل كل من هو غير إخواني من الزبال الى أستاذ الجامعة، يدافع رجال الدين من دعاة التقية الجديدة عن القبيسيات باعتبارهن حركة سلمية غير معادية جهارا للنظام،لكن هذا يدحضه بالمطلق مواقف القبيسيات الإرهابية ،التكفيرية من الطوائف الأخرى أوالقوى العلمانية"

فيما يعتبرهم فياض خطرا مستقبليا على النظام السياسي في سوريا، يذهب الكاتب السوري عمر البحرة الى استخلاص آخر يقول بأن هذه الحركة :" مستندة الى دعم حكومي"،ويبرهن على ذلك بالقول:" بالسكوت وغض النظر".

متصفح من متصفحي الانترنيت، يكتب متسائلا:

ماهذا الغموض الذي يحيط بالقبيسيات؟ إنها تذكر بالحكايات التي تنسج حول الماسونية.