القائد العام لكتائب شهداء الاقصى يكتب من المعتقل: ماذا نريد من القيادة الجديدة والى اين تسير الكتائب

تاريخ النشر: 29 يناير 2005 - 11:13 GMT

القائد العام لكتائب شهداء الاقصى يكتب من المعتقل: ماذا نريد من القيادة الجديدة والى اين تسير الكتائب

 

بقلم: الأسير ناصر عويص

منذ العام 1965، بل قبل ذلك ببضع سنوات، إلتقت مجموعات صغيرة من الشباب المؤمنين بعدالة قضيتهم، والذين خرجوا من رحم المأساة والمعاناة واللجوء، ليصنعوا مرحلة جديدة فيها قدر كبير من التحدي والمبادرة والفعل على المستوى التاريخي، وأسسوا حركة فتح التي قادت النضال الفلسطيني في كل محطات التيه، وأخرجت شعبنا من حالة الانكسار والبحث عن حصة التموين ليصبح شعبا مقاتلا من أجل الحرية والعودة والاستقلال، وبفعلها الثوري المبكّر جداً كحركة تحرير ، خاضت فتح صراعات على جميع الجبهات الفكرية والوجودية من أجل تثبيت الهوية الفلسطينية، ولتقدّم الفلسطيني كإنسان صاحب حق ورغبة في الحياة والتحرر والانعتاق من نير الاحتلال والجهل.

التعددية الفكرية داخل فتح

وتاريخيا اتسعت حركة فتح لتشمل كل الرؤى والتوجهات الفكرية ومكونات العقيدة الموجودة داخل ساحة العمل السياسي الفلسطيني، وبمرونتها القوية المستمدة من عدم تبنيها لخط أيديولوجي محدد شاهدنا داخل الحركة تجاذبات وحوارات هادئة أحيانا وساخنة أحيانا أخرى بين مواقف متباينة، بين أصحاب التفكير الداعي للذهاب بالمقاومة الى أبعد الحدود، وبين براغماتية عقلانية، وبين الواقعيين والحالمين، وبين أصحاب التفكير المرحلي والتكتيكي والتفكير الاستراتيجي، كل هذه المواقف والتباينات كانت تدفع بحركة فتح نحو مزيد من التوحد والتطور والابداع للخروج من مخاطر الجمود والتحجر، عبر البحث الدائم عن اجابات عملية وواقعية للإشكاليات التي يطرحها الواقع الفلسطيني والاقليمي والدولي، وبهذه الروحية تم قيادة دفة حركة فتح من خلاياها التنظيمية الأولى، مروراً بمرحلة التصادم العسكري، وما تلاها من محاولة لايجاد تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية، وأخيراً حالة التصادم مع الاحتلال بفعل العدوان الاسرائيلي وتنصله من كل إستحقاقات السلام العادل، ومن كونه احتلالاً لم يخرج من عقلية الهيمنة على شعب قرر الانعتاق.

فتح والسلطة واتساع دائرة السخط

ولكن منذ عشر سنوات أو يزيد وحركة فتح وأبناؤها يعيشون وزر إخفاق السلطة باعتبار فتح هي صاحبة مشروع السلطة والتسوية، وعدم الفصل بين فتح والسلطة واخفاقاتها دفع بتوسيع دائرة الإحباط داخل صفوف حركة فتح، وتعالت الأصوات المطالبة بالإصلاح، وإعادة الهيبة للتنظيم، ولكن كل تلك الدعوات والاحتجاجات لقيت مزيداً من التهميش، من هنا كان تحرك فئة من كوادر حركة فتح وأبنائها الذين شربوا الألم والمعاناة داخل السجون وعتمة الزنازين، تحرّكوا للخروج من حالة الإحباط وعدم القدرة على الإجابات عن إشكالية الثابت والمتحول داخل حركة فتح، تحرّكوا من أجل حل إشكالية العلاقة بين المقاومة والسلطة والحركة، تحركوا وأخذوا زمام المبادرة عبر تأسيس مليشيات حركة فتح المسلحة التي نمت وتطورت لتصبح "كتائب شهداء الأقصى".

كتائب شهداء الأقصى والتأسيس

بعد سلسلة طويلة من المشاورات بين المخلصين من أبناء حركة فتح، جاءت الكتائب لتضع حداً لحالة الفوضى في تفكير البعض، جاءت المشاورات الأولى لتضع حداً للذين حاولوا إبعاد الحركة عن بعدها المقاوم، جاءت الكتائب تواصلا مع حركة فتح وإرثها الكفاحي والنضالي المقاوم، وهنا أذكر كيف كان الشهيد المؤسس ياسر البدوي يردد" سنجعل من الكتائب سيف فتح وأوج العاصفة وقلب الفقراء وضميرهم"، وأذكر أيضاً كيف صمم شعار الكتائب بيد قائد من قادتها وأحد مؤسسيها الأوائل كفنان صاغ شعار الكتائب من روح شعار العاصفة، هنا أسماء متلألئة في سماء البدايات الأولى للكتائب ومشاوراتهم الحثيثة لخلق جسم فتحاوي قادر على المواجهة ، بعضهم انتقل الى جوار ربه وهم كثيرون: قادة ومؤسسون وكوادر وأعضاء ومناصرون وإستشهاديون وإستشهاديات ، حملوا الراية وحافظوا عليها مرفوعة ، والبعض الآخر في سجون الاحتلال والعزل يواجهون صلف الإحتلال وأحكامه القاسية بمعنويات عالية وإرادة لا تنكسر ، وأخرون لا زالوا على العهد تحميهم عيون امهاتنا وأطفالنا.

لماذا كانت الكتائب؟

وإذا كانت كتائب شهداء الأقصى هي نتاج تفكير عميق للبحث عن متطلبات الخروج من أسئلة الواقع وما يفرضه من تحديات ورهانات مصيرية على مستوى الوطن والحركة كطليعة لشعبنا، فإن الكتائب في الوقت ذاته شكّلت حالة سخط على الإطار الرسمي للحركة، هذا الإطار الذي أصبح عبئا على الحركة، مُقاداً غير قائد، منتفعاً غير نافع، في نهاية الصفوف بدل أن يكون في المقدمة، باحثاً عن الامتيازات، بعيداً عن هموم القواعد والعناصر، مستسلماً لقدره، معتبراً في ذات الوقت أنه قدر لا بد منه، وهو كإطار رسمي عطّل تجدد الحركة، بل ساهم في تراجع شعبيتها، إنّ الإطار الرسمي أصبح غير مؤهل وغير قادر على قراءة واقع الحركة والشعب، ولا زال حبيس مقولات وشعارات ملّ أبناء الحركة من تكرارها عليهم، مع تأكيدنا أن في هذا الإطار من حافظ وعمل واجتهد ولكن لم يكن مؤثّراً لدرجة التغيير الحقيقي.

والكتائب جاءت أيضاً كحالة سخط على السلطة، وما لازمها من فساد بنيويٍّ مستشرٍ، وهذه السلطة التي حاولت أن تقود المنظمة و"فتح" وكل الفصائل، نحو مربعات جديدة ورهانات خاسرة، ليس بحكم تأسيسها بل بحكم الأداء الذي كان بمنتهى السوء والتجريب والفشل، وتغييب المؤسسة، ووضع الرجال غير المناسبين في كل ما يمس المواطن الفلسطيني وأمنه وحياته، وكنا في الكتائب قادرين أن نضرب ونوجع كل الفاسدين، لكن هاجس الاقتتال والفوضى الداخلية كان يعيدنا دائماً إلى التفكير مجدداً بالأمر.

وكتائب الأقصى، ليست ظاهرة عفوية بل هي موقف صلب جاء رداً على الهجوم الإسرائيلي، ضد ابناء شعبنا، ورسالة واضحة للاحتلال بجاهزية أبناء الحركة للعودة للقتال، فليس من المعقول أن نجلس مكتوفي الأيدي وشعبنا يذبح يوميا على يد قوت الاحتلال، فالكتائب وإن كانت مع السلام فهي جاءت ضد منطق الاستسلام، وفي هذه المعركة المحتدمة قدّمت الكتائب خيرة أبنائها شهداء بلا تردد على طريق الحرية والعودة والاستقلال، لتسطع كالنجوم في سماء وطننا.

الموقف مما يطرح من مبادرات للتهدئة

الكثيرون هذه الأيام يتساءلون عن موقف الكتائب من التطورات منذ وفاة الرئيس عرفات وحتى تولي الأخ محمود عباس رئاسة السلطة والمنظمة، والأخ فاروق القدومي رئاسة حركة فتح ، لعلناّ جميعاً نسأل : هل ستلقي الكتائب السلاح؟هل انتهى مسوّغ وجودها؟أم أنّ الكتائب هي إطار خارج عن إرادة قيادة حركة فتح ؟ وهل ستوافق الكتائب على هدنة جديدة؟.

كما نعلم جميعاً فالكتائب لم تشكّل بقرار ولن تحلّ بقرار، ولكن كل هذه الإشكاليات على خطورتها ستكون رهناً بالتطورات اللاحقة، الكتائب ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة، أردنا بها الخروج من حالة الصمت الى الفعل، من أجل إنهاء الاحتلال وإصلاح البيت الفلسطيني والنهوض بواقع الحركة، فهي بالتالي لن تحل بقرار، ولن يتوقف عملها ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً يعتدي على شعبنا وأرضنا ويغتال كوادرنا وشبابنا وأطفالنا ونساءنا وشيوخنا، ونحن في الكتائب وإن كنا قد دفعنا ثمناً باهظاً من أجل فتح وقضيتنا العادلة إلاّ أننا سنكون بمنتهى الجدية في التعاطي مع ما يطرح علينا من مواقف جدية تخص المستقبل، ولكن لن نمرر أية حلول هزيلة، وفي المقابل سندعم كل الجهود التي أعلنها أبو مازن من اجل الإصلاح، وإنهاء الاحتلال، والحفاظ على الثوابت الوطنية، سنعطي العمل السياسي مرة أخرى فرصة جديدة، لن نقف حجر عثرة أمام كل ما هو إيجابي ومثمر ويصب في صالح شعبنا، ولكن على الاحتلال أن يعلم أن لهذا الشعب جنوداً أوفياء ، وسيبقون على أهبة الاستعداد للدفاع عنه ولرد أي تطاول على شعبنا أو أية محاولة للمساس بقياداتنا الميدانية، والسياسية الجديدة، وفي هذا الإطار فقادة الكتائب داخل السجون يثمّنون عالياً ما طرحه زكريا الزبيدي وتأكيده بأنّ أي وقف لاطلاق النار لا يأتي إلا بعد التشاور مع كافة القيادات الميدانية للكتائب في السجون وخارجها.

ماذا نريد من القيادة الجديدة لفتح والسلطة والمنظمة؟

المطلوب في المرحلة القادمة هو الالتزام الحديدي بالبرامج الانتخابية المعلنة التي هي برنامج حركة فتح، آن الأوان لمحاسبة الفاسدين، وإقصائهم، وردعهم،هم قلة ولكن أعمالهم كبيرة تتجاوز المتخيل، آن الأوان لضبط فوضى الشارع والسلاح الاستعراضي غير المقاوم، وردع كل الذين يستغلون الأوضاع من أجل ابتزاز المواطن وأمنه ومصدر رزقه، آن الأوان لنرى وجوهاً جديدة في الوزارات، أكفياء، وطنيين حقيقيين، آن الأوان لوضع حد للمحسوبية والوساطة وهدر المال العام بالصرف المالي العشوائي على المقربين والحاشية وهياكل وأجسام وهمية، آن الأوان للاحتكام للمؤسسة وسيادة القانون، يريد المواطن أن يرى عملاً ملموساً على أرض الواقع، وبالتأكيد فإن على الأخ أبو مازن أن لا يسمح لطغمة الفاسدين من الالتفاف حوله، لأنهم مقتل كل مخلص ومرض يهلك الحرث والنسل، فالمطلوب هو مرحلة جديدة بكل معانيها، تبقي على الجيد وتقصي السيء، وتصان فيها الحرمات، ويتساوى الناس أمام القانون، ويعاد فتح كل ملفات النهب والسلب التي تعرضت لها مؤسسات السلطة، وكل ملفات القتل والعبث بأمن المواطن، وتعزيز الوحدة الوطنية، والابتعاد عن الاقتتال الداخلي، وتعزيز قيم الديمقراطية عبر اللجوء الى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثلين حقيقيين لشعبنا بكافة أطيافه وفئاته وألوانه السياسية، ومطلوب أكثر من أي وقت مضى الاهتمام بكافة المحافظات على قدم وساق، ووضع برامج تنموية حقيقية يكون فيها الإنسان الفلسطيني محوراً للتنمية عبر تعزيز صموده وإبداعه.

وعلى مستوى المنظمة لا بد من الدعوة إلى عقد المجلس الوطني، فلا يعقل أن تهمل منظمة التحرير شعبنا في الخارج، هناك جاليات كبيرة في كل بقاع الدنيا تعاني من قلة الاهتمام والمتابعة، وهي بالضرورة بحاجة لأن تمثل بشكل حقيقي في المجلس الوطني، وأيضا لا بد من استكمال النقاش والحوار مع الأخوة في حركة حماس لايجاد برنامج وطني موحد يكون الدافع لنا جميعاً للاشتراك بمنظمة التحرير الفلسطينية التي هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، (وعلينا جميعاً أن نعلم) أن المنظمة وشرعيتها خط أحمر لا يمكن القفز عنه، فتأكيد شرعية المنظمة كلّف شعبنا معارك قاسية، ونهراً من دماء الشهداء

وعلى مستوى حركة فتح فمطلوب من الأخ أبو مازن والأخ فاروق القدومي والأخ أبو ماهر غنيم العمل الجديّ من أجل عقد المؤتمر الحركي العام، ورفد الحركة ومؤسساتها بدماء جديدة، وإلغاء شعار " عضو لجنة مركزية أو مجلس ثوري حتى الموت" وهذا المؤتمر سيشكّل نقلة نوعية وتواصلا للأجيال على عكس ما حدث ولسنوات طويلة من انقطاع بين الأجيال داخل الحركة، وانفصال وانفصام ما بين القمة التنظيمية والقاعدة، وفي ذات الاتجاه على فتح أن تدرك حجم التحدي المطروح عليها للانتخابات التشريعية القادمة، فلا يعقل أن تقدّم الحركة مرشحين قد أساءوا لشعبنا واعتدوا على أملاكه وأمنه، فحركة فتح مليئة بالرجال والأكفياء المخلصين والذين بقيت أيديهم نظيفة لم تتلوث بالمال العام، أو بدماء أبناء شعبنا الشرفاء، ولا بد من الابتعاد كلياً عن ترشيح شخصيات لم تثبت جدارتها في أثناء المرحلة السابقة.

الكتائب إلى أين تسير؟

بدون أي تردد أو مواربة يجب العمل من أجل إعطاء فرصة للتحرك السياسي والداخلي الذي يقوم به الأخ أبو مازن، ونعتبر أنّ كل من يحاول عرقلة هذا التحرك إنما يحاول إبقاء الفوضى على حالها لكي يهرب من الحساب والمساءلة عن تقصير ما، جرم ما، أو لفساد هنا أو هناك، بالتأكيد وحدهم الفاسدون والمتسلقون على تاريخ الكتائب من سيحاولون تعطيل مسيرة الأخ أو مازن وبرنامجه السياسي الذي هو برنامج حركة فتح بكل ما يحمل من وضوح وثقة ومتانة، وستكون الكتائب كما كانت دوماً موحدةً على قلب رجل واحد، حاضرة في أحلك الظروف للفعل والمبادرة، وجنوداً ملتزمين بالقرار وقت الالتزام، مدافعين عن شعبهم أمام أي اعتداء، سنعود الى مقاعد الدراسة والى وظائفنا وأعمالنا، ولكن سنبقى على جاهزية عالية للتحرك عندما نشعر بأن العدو لا تنفع معه لغة الحوار، ولكن لا هدنة أو وقفاً لإطلاق النار بدون ثمن، والثمن هو أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي، ووقف للاغتيالات، والإفراج عن أسرى الحرية من كافة الفصائل، ومحاسبة الفاسدين، والمضيّ قدماً بإصلاح البيت الداخلي، وتشديد الرقابة على المال العام، ورفض أي حلول جزئية، والحفاظ على الثوابت الوطنية، وأيضا توفير العيش الكريم للمقاتلين الذين وهبوا انفسهم دفاعا عن الحرية، وهذه الخطوة يجب أن تتم بشكل لائق يحفظ للمقاتل كرامته وعزة نفسه، وان لا تكون مجالا للمساومات.

ولكن هل يعني هذا القول أن الكتائب ستحل وتنتهي؟ لا فالكتائب كأشخاص لا يمكن أن ينتهوا لأنهم جزء من هذا الشعب وسيكونون جاهزين للعمل في أية معارك قادمة نتيجة أي عدوان أو اعتداء إسرائيلي.

أخيرا لا بد من القول إن حركة فتح تعيش مخاضاً عسيراً لا أحد يعرف يقيناً إلى أين ستؤول الأمور داخلها، فالأوضاع توحي بأن هناك خيارَيْن لا ثالث لهما أمام حركة فتح: إما النهوض بواقعها وواقع شعبها وإجراء مراجعة جدية وحقيقية للأداء والبحث عن المستقبل بعيون الرجال المخلصين والأكفياء، وإقصاء من أساءوا وأفسدوا، وإما الاندثار والتلاشي الذي سيكون ضربة للحركة الوطنية الفلسطينية، ربّما لأجيال كثيرة قادمة.

 

القائد العام لشهداء الاقصى/ فلسطين