البوابة-بسام العنتري
يترقب المسؤولون لقاء مصالحة وشيك بين الرئيس الفلسطيني ورئيس حكومته السابقة لكنهم لا يقيمون وزنا للقاءات المصالحة الجارية مع وزير الامن السابق محمد دحلان والتي تاتي تحت شعار تهيئة الاجواء لاصلاحات يصر ياسر عرفات على رفض ترجمة التزامه المعلن بها الى قرارات.
وقال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح صخر حبش لـ"البوابة" ان اللقاء بين عرفات وعباس "يحتاج الى ظروف وبعض الاجراءات الضرورية" و"سيكون باسرع وقت ان شاء الله".
ولم يفصح المسؤول الفلسطيني عن طبيعة هذه الاجراءات والظروف، لكنه قال ان الرجلين "قلباهما صافيان، وسيلتقيان وتعود الامور الى طبيعتها لكن كل شئ في وقته".
وكان حبش اعلن الاثنين ان الرئيس ياسر عرفات كلفه رسميا نقل رسالة الى عباس تدعوه للعودة الى موقعه كأمين سر للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
واحتفظ عباس بهذا المنصب لكنه قاطع اجتماعات اللجنة منذ استقالته من منصب رئيس الوزراء في ايلول/سبتمبر الماضي اثر خلاف شديد مع عرفات حول الصلاحيات.
وعشية الاعلان عن دعوة عرفات لعباس، كان رئيس الوزراء الحالي احمد قريع قد زاره في مقر اقامته في عمان ثم عاد الرجلان والتقيا بعدما قرر الاول رد الزيارة لخليفته في مقره في رام الله.
وفيما نظر الى هذين اللقاءين على انهما يمهدان لاتمام المصالحة بين عرفات وعباس، الا ان الاخيرين لم يلتقيا برغم تواجد رئيس الوزراء السابق في رام الله.
وقال مصدر مقرب من عباس لـ"البوابة" ان اللقاء اصبح تحققه اقرب من أي وقت مضى.
واوضح المصدر ان عباس لم يعد يمانع في الالتقاء مع عرفات، خاصة بعدما اسقط شرطه الحصول على اعتذار علني من الرئيس عن الاهانة التي تعرض لها اثر استقالته.
واكد ان الاجتماع بينهما سيكون قريبا، وان عباس ينتظر ان "تنجلي الصورة بشكل اكثر وضوحا حول نوايا عرفات بشأن الاصلاحات في الاجهزة الامنية والادارة العامة"، وهي الشروط التي ما يزال عباس يضعها قبل أي لقاء مصالحة مع عرفات.
ومن شان عودة العلاقات بين عرفات وعباس ان تعزز موقف القيادة الفلسطينية امام حملة الضغوطات الداخلية والخارجية المطالبة بادخال اصلاحات جذرية على اجهزة السلطة والتي توصف بانها منخورة بالفساد.
وتتزامن مساعي عودة عباس مع محاولات اخرى لعودة العقيد محمد دحلان احد المقربين من عباس ووزير شؤون الامن السابق الى صفوف حكومة احمد قريع (ابو علاء) الحالية.
واتسعت شقة الخلاف بين عرفات ودحلان عقب انتقادات غير مسبوقة وجهها الوزير السابق للرئيس الفلسطيني في خضم حالة انفلات وفوضى امنية سادت قطاع غزة.
واتهم دحلان بالوقوف وراء حالة الفوضي في غزة والتي امتدت لاحقا الى الضفة الغربية. لكنه نفى هذا الاتهام وفضل توصيف نفسه كاصلاحي يريد ممارسة ضغوط على عرفات من اجل تنفيذ الاصلاحات والتصدي للفساد.
وقد التقى عرفات مع دحلان لثلاث مرات متتالية خلال الاسبوع الماضي. لكن الطرفين تكتما على ما دار فيها.
كما اثر العديد من المسؤولين الفلسطينيين الذين اتصلت معهم "البوابة" عدم التعليق على لقاءات عرفات ودحلان.
واكتفى عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح طلب عدم نشر اسمه بالقول ان "ابو عمار (عرفات) هو حامي هذه القبيلة ومن حقه ان يحكم بالاعدام ومن حقه ان يوقف حكم الاعدام..وهو يستطيع ان يسترضي ويزعل كما يريد ونحن لا نتدخل في هذه الامور".
وتعكس هذه العبارات حقيقة ان عرفات كان ادخل دحلان في حالة عزلة شبه مطلقة، فيما بدا انتقاما من الرجل الذي اضطر لقبول توليته منصب وزير الشؤون الامنية ابان حكومة عباس، بعد ضغوط محلية ودولية واسعة.
لكن عزلة دحلان في الضفة الغربية، كانت في حقيقة الامر قد دفعت الرجل الى الاتجاه في مسار توسيع نفوذه الى قطاع غزة حيث بات يعد رجل القطاع القوي خاصة مع وجود المليشيات المسلحة التي تمكن من جمعها من حوله.
ومن جهته، قلل عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، والقيادي في حركة فتح حاتم عبد القادر من شأن لقاءات المصالحة بين عرفات مع دحلان.
وقال للبوابة "لا يهمنا ان يصالح فلان فلانا بقدر ما تهمنا النتائج وانعكاسات مثل هذه المصالحات على وضع الشعب الفلسطيني وعلى مستقبله".
واعتبر ان مثل هذه اللقاءات يمكن ان يرحب بها "اذا كان الهدف منها هو تنقية الاجواء الفلسطينية الداخلية وترتيب البيت الداخلي"، معربا عن امله في "ان ينأى كل المسؤولين عن طرح اجنداتهم الشخصية على حساب الشعب الفلسطيني".
ويجري الحديث حول احتمال ان تسند الى دحلان حقيبة الداخلية او حقيبة شؤون مجلس الوزراء التي ستجعله بمرتبة نائب لرئيس الوزراء، وذلك كثمن يدفعه له عرفات لقاء المصالحة التي يأمل ان توفر له اجواء اهدأ في غزة في هذه المرحلة الحساسة، والتي تتسارع فيها استعدادات اسرائيل لاخلاء قطاع غزة.
وعن الحديث عن احتمال توزير دحلان قال عبد القادر "نحن لا نفكر كثيرا في هذه الامور. بالنسبة لنا كمجلس تشريعي تهمنا السياسات وان يكون هناك توجه جديد لدى الحكومة يكون قادرا على تولي مهام الاصلاح..لابو علاء (قريع) ان يختار من يشاء ولكن في النهاية سوف يأتي الى المجلس من اجل الحصول على الثقة".
وتبنى المجلس التشريعي الاربعاء توصية بالدعوة الى تشكيل حكومة "قادرة" على تحقيق برامج الاصلاح التي اقرها المجلس وتحدث بشأنها الرئيس ياسر عرفات في خطاب عززه برسالة "تطمينات" عوضا عن مراسيم رئاسية ما زال يرفض توقيعها، وذلك في موقف عمق الشكوك في نواياه الحقيقية ازاء الاصلاح.
وقال عبد القادر "نحن عندنا مقاييس ومعايير مفترضة للتعديل الوزاري، اولاها ان يرتقي الى الاصلاحات المطلوبة وان يكون قادرا على تلبية احتياجات المواطنين وان يستبعد كل الاسماء التي وردت في تقارير لها علاقة بالفساد".
وضرب عبد القادر مثلا على ذلك ملف "تقرير الاسمنت" الذي احيل الى القضاء وتضمن اسماء شركات ومسؤولين متورطين في توريد اسمنت مصري لصالح شركات اسرائيلية قامت باستخدامه في البناء في المستوطنات والجدار الذي تشيده اسرائيل في الضفة بحجة منع تسلل الفلسطينيين اليها لشن هجمات.
وحمل التقرير وزير الاقتصاد ماهر المصري المسؤولية في هذه القضية اضافة الى وزير الشؤون المدنية جميل الطريفي.
وفي خضم الحديث عن احتمال تعيين دحلان في منصب وزاري، الا ان تصريحات سابقة له اعلن فيها عدم رغبته في مثل هذا المنصب، تبرز الان لتضع بعض الشكوك حول عودته الى الحكومة.
لكن الكاتب الصحفي الفلسطيني عدلي صادق رأى ان دحلان ليس منزها عن الطموح، وقد يقبل تولي منصب وزاري في حال تحققت الظروف التي يريدها.
وقال صادق، وهو ايضا وكيل في وزارة الشؤون الخارجية الفلسطينية لـ"البوابة" ان "دحلان لا يريد لنفسه هذا الموضع لكن ضمن عملية كاملة لا اعتقد انه سيكون منزها او مجردا من الطموح في ان يصبح وزيرا".
كما رفض صادق توصيف المصالحة الجارية بين عرفات ودحلان على انها تاتي في سياق صراع بين ندين متكافئين على السلطة.
وقال ان "وسائل الاعلام طرحت فرضية غير قائمة اصلا وهي وجود قطبين متصارعين على السلطة احدهما يقوده محمد دحلان..هذا غير جائز لان دحلان لا يمكن ان يكون ندا للرئيس عرفات لا في مساجلة ولا في منافسة ولا في خصومة".
واضاف انه "كان هناك من الجانبين من يغذي ويعزز هذه الفرضية..والان هناك من تدخلوا لكي يذهب دحلان الى الرئيس ويتفاهم معه ويطرح امامه ما يشاء من تصورات واراء".
وسرد صادق بعض التفاصيل حول ما دار في لقاءات المصالحة بين الرجلين في ضوء ما اكد انها معلومات اطلعه عليها دحلان شخصيا.
وقال ان "دحلان تحدث (الى عرفات) نافيا ان يكون لديه مشروع انقلابي وقال: كيف سانقلب عليك..على متن دبابة اسرائيلية؟، وماذا ساقول لشعبنا اذا ما جئت على دبابة اسرائيلية..هذا منطق لا يمكن ان يكون مقبولا لا مني ولا من احد..كل ما اريده هو ان نختط منهجا اخر بحيث تكون لهذه السلطة فعالية".
ومضى صادق قائلا ان دحلان ابلغه ان "الرئيس كان ايجابيا معه في الاجتماع الاول وتم الاتفاق على خطوط عامة لبحثها في اجتماع ثان مساء نفس اليوم".
وكان هذا الاجتماع ارجئ بسبب اجتماع المجلس التشريعي بحسب ما تم اعلانه، لكن صادق اكد ان السبب كان "تقارير كانت تاتي من الخارج البعيد للرئيس عرفات تقول ان دحلان اذا وصل الى رام الله فستكون هناك محاولة لاغتياله".
واضاف ان دحلان "عندما علم (بهذه التقارير) اصبح اشد تصميما على ان يذهب الى رام الله حتى لو لم يقابل الرئيس..وعندما وصل الى رام الله عرض عليه عرفات غرفة اعدها له في المقاطعة (مقر الرئاسة) لكن دحلان رفض (المكوث فيها) باعتبار ان ذلك سيفسر على انه احتمى في المقر".
ومضى قائلا ان "اللقاء تم، وفي البداية تم الاتفاق على بعض العموميات، وفي اليوم التالي قال له الرئيس ان التصورات التي تطرحها مهمة وضرورية فاذهب واتفق مع اخوك ابو علاء..وقال له ايضا: تحدثوا مع ابو مازن. وسرعان ما اصبح ابو مازن في الصورة".
وقال صادق انه "يبدو ان هناك في الكواليس الان مشاورات حثيثة على مستوى ابو علاء وابو مازن بوجود دحلان لاخراج حكومة تتمتع بقوة ادبية اكبر".—(البوابة)