الفلسطينيون على أبواب انتفاضة جديدة

تاريخ النشر: 16 مارس 2009 - 10:01 GMT

كتب عاطف أبو الرب*

بعد أن تمكنت إسرائيل بفعل قوتها، وفرقة الفلسطينيين، من تحقيق أهدافها بالقضاء على الانتفاضة، يبدو أن الفلسطينيين يفكرون بفعل جديد يعيد لهم قوة الفعل. هذا ما تبدو ملامحه في الأفق، وإن كانت لم تكتمل بعد.

ففي انتفاضة الأقصى تمكنت إسرائيل من القضاء على القوة العسكرية الناشئة للفلسطينيين. حيث أرادتها إسرائيل حرباً بالمعنى العسكري، لعلمها المسبق أن لديها التفوق الذي يمكنها من السيطرة المطلقة على الفلسطينيين. فحاولت أن تصور عدوانها على الفلسطينيين بمثابة حرب دفاعية، وأنها تواجه فصائل مسلحة بكل أنواع السلاح، وأنها إنما تدافع عن حقها في الوجود.

وقد وجدت إسرائيل من بين الفلسطينيين والعرب ما قدم لها المبررات التي تبحث عنها. وهنا فإننا لسنا أمام توجيه اتهام لهذه المجموعات، بل نعتقد أن تعطشها للثأر من إسرائيل، دفعها لتصوير الفلسطينيين كأنهم ملخص للأمة من قوة الاحتلال. فراح عضنا يبالغ في تقدير قوة سلاح المقاومة، وهذا ما تبحث عنه كل القوى المعادية، وذلك للنيل من الشعب الفلسطيني، وتدمير كل مقاومات الحياة لديه.

وقد كلفت انتفاضة الأقصى الشعب الفلسطيني الكثير من التضحية، فسقط آلاف الشهداء، فيما أصيب عشرات آلاف الفلسطينيين بجراح مختلفة، واعتقلت إسرائيل أرقام تفوق ذلك بكثير. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل دمرت إسرائيل مؤسسات السلطة الناشئة، وهدمت عشرات آلاف المباني والبيوت، وصادرت مساحات كبيرة من الأراضي، وحولتها لصالح المستوطنات. فبدل أن الدولة التي حلم بها الفلسطينيون، وجدوا أنفسهم محاطون بأسلاك شائكة وجدار عنصري، والكثير من المستوطنات.

ولأن الأمر لا ينتهي بخسارة معركة، بل فإن الفلسطينيين انتبهوا مبكراً، وبدأت بعض المبادرات تظهر في الأفق. فكانت بلعين، تلك القرية التي دخلت التاريخ وسجل أهلها وعشرات المتضامنين صفحات مشرقة في مقارعة الاحتلال. صحيح أنهم لا يملكون أساطيل وبوارج وترسانات من الأسلحة، ولكنهم سجلوا حضوراً أربك الاحتلال.

بلعين أرادتها انتفاضة شعبية، وتمكنت من تحشيد قوى السلام من العديد من الدول لتشارك في هذه المعركة. من هنا صار اسم بلعين له مدلولاً رمزياً يمثل المقاومة الشعبية، والمقاومة السلمية المستدامة. فانتصرت بلعين بانتزاع حكماً من محاكم الاحتلال، يعيد لها جزء من أراضيها المسلوبة بجدار الفصل العنصري. واصل مناضلو بلعين انتفاضتهم بإصرار على أمل دفع جدار الفصل العنصري بعيداً عن أراضيهم.

تجربة بلعين لاقت قبولاً من قرى أخرى، فلحقت بالركب، وها هي نعلين، والمعصرة، وقرى أخرى في رام الله والقدس وبيت لحم، تفتح معاركاً مع الاحتلال كل في منطقتها. فصارت هذه القرى عناوين جديدة للمواجهة، ورفعت كل قرية راية للمقاومة. وانتقلت عدوى المقاومة الشعبية لمنطقة قلقيلية، فها هي جيوس تلحق بالركب، بتنظيم مواجهة مع الاحتلال، وموضوع هذه المواجهة أراضي جيوس. ومع أن قرية بورين تتعرض لعدوان متواصل من قبل الاحتلال وقطعان المستوطنين، إلا أن الأهالي أخذوا على عاتقهم فتح جبهة جديدة مع الاحتلال عنوانها وقف زحف المستوطنات على أراضي القرية.

ولأن لكل قرية مشكلة مع الاحتلال، ولأن لكل مواطن قضيته المفتوحة مع الاحتلال، فإن الباب مفتوح أمام الجميع ليفجروا معارك مع الاحتلال في مواقعهم، دفاعاً عن حقوقهم الشخصية. قد يبدو الأمر في نظر البعض صغيراً، لكن إذا ما حافظ الفلسطينيون على مواقفهم بعيداً عن المزايدات الفصائلية، دون تمكين البعض من ركوب الموجة، فاعتقد أن هذه المواجهات التي تنتشر من قرية لأخرى، ستتحول عما قريب لمواجهة شاملة، عنوانها استعادة الأرض والاستبسال من أجل تحريرها، بعيداً عن الشعارات الزائفة، وبعيداً عن البرامج الخيالية التي يغرقنا البعض في دهاليزها. وأرى أن الانتفاضة القادمة ستكون قضية كل مواطن الخاصة، وأن لكل من الفلسطينيين ما يدفعه للمشاركة بهذه الانتفاضة، التي ستعيد للقضية رونقها، وستفضح خطط الاحتلال وبرامجها الهادفة تشريد السكان من أراضيهم. واعتقد أن الفلسطيني قادر على انتزاع حقه من الاحتلال.

**عاطف أبو الرب / كاتب وصحفي فلسطيني يقيم في مدينة جنين

[email protected]