تستمر اعمال العنف على وتيرتها التصعيدية في سوريا ويتشعب النزاع، اذ شهدت الساعات الماضية معارك دامية في منطقة حدودية مع تركيا بين معارضين للنظام السوري مسلحين ومقاتلين اكراد، في وقت بدأ قادة المعارضة محاولة ثانية لتشكيل حكومة انتقالية .
وقتل 33 شخصا غالبيتهم من المقاتلين المعارضين للنظام السوري في اشتباكات مستمرة منذ 48 ساعة بينهم وبين مقاتلين اكراد في منطقة راس العين في محافظة الحسكة (شرق)، بحسب ما افاد المرصد السوري لحقوق الانسان السبت.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن في اتصال هاتفي مع وكالة فرانس برس ان القتلى هم خمسة اكراد من لجان الحماية الشعبية و28 مقاتلا معارضا.
واشار الى استمرار هذه المعارك التي يشارك فيها من جانب المعارضة المسلحة مقاتلون اسلاميون من غير جبهة النصرة ومقاتلون من الجيش السوري الحر. فيما ترتبط "لجان حماية الشعب الكردي" بالهيئة الكردية العليا التي يعتبر حزب الاتحاد الديموقراطي ابرز مكوناتها. ويحاول الاكراد تحييد مناطقهم في النزاع الدائر في سوريا وتاكيد سيطرتهم عليها.
ووجه المجلس المحلي في راس العين التابع للمجلس الوطني الكردي في سوريا (يضم ممثلين عن معظم الاحزاب الكردية) نداء السبت الى المعارضة السورية لتعمل على وقف هذه المعارك.
وطالب البيان "الائتلاف الوطني والمجلس الوطني السوري والجيش الحر بالضغط على المسلحين لوقف هذه الحرب الاجرامية كونها تسيء لمبادىء وأهداف الثورة السورية".
وناشد المجتمع الدولي وكافة المنظمات الدولية والحقوقية والانسانية في العالم "بالتدخل الفوري لوقف الحرب"، والسلطات التركية "بالكف عن التدخل ودعم المجموعات المسلحة تنفيذا لأجندتها الخاصة".
وتفيد تقارير ان العديد من المقاتلين المعارضين يدخلون راس العين الواقعة في غرب محافظة الحسكة من الاراضي التركية المحاذية للمدينة.
وافاد سكان وكالة فرانس برس عن استقدام الطرفين تعزيزات بالسلاح والرجال وحفر خنادق وتحصينات.
وفي حصيلة اولية لضحايا العنف في مناطق مختلفة من سوريا السبت، قتل 27 شخصا، بحسب المرصد الذي يقول انه يعتمد على شبكة واسعة من المندوبين والمصادر الطبية في كل انحاء سوريا للحصول على معلوماته.
وتواصلت العمليات العسكرية الواسعة في مناطق ريف دمشق، بينما شن الطيران الحربي غارات عدة على ريف دمشق وعلى مناطق اخرى في ادلب (شمال غرب) ودرعا (جنوب) وحماة وحمص (وسط) ودير الزور (شرق).
من جهة ثانية، اغتال مسلحون الشيخ خالد الهلال، عضو لجنة المصالحة الوطنية في محافظة درعا وثلاثة من مرافقيه على طريق الشهيب -تل اصفر. وشكل النظام بعد اندلاع الحركة الاحتجاجية ضده لجانا للمصالحة الوطنية في مختلف المناطق في محاولة لاستيعاب الحركة المناهضة له.
في هذه الاثناء، بدأ قادة المعارضة السورية يوم السبت محاولة ثانية لتشكيل حكومة انتقالية مما يضع مصداقية المعارضة على المحك مع انزلاق البلاد أكثر في أتون الحرب الأهلية.
ويمكن أن يساعد الاتفاق داخل الائتلاف الوطني -الذي يجمع المعارضة السورية- على تهدئة بواعث القلق الدولية تجاه احتمال تفكك سوريا على أسس عرقية وطائفية في حالة سقوط الرئيس السوري بشار الاسد.
وقد يسلط الفشل في المحادثات التي تعقد في احد فنادق اسطنبول الضوء على الانقسامات داخل الائتلاف الذي تشكل قبل شهرين في قطر بدعم من الغرب كما يمكن ان يقوض هذا الدعم.
وقال المعارض البارز وعضو الائتلاف كمال اللبواني ان الائتلاف بحاجة إلى اختيار رئيس وزراء على الاقل للحفاظ على مصداقيته كبديل ديمقراطي لأربعة عقود من حكم الاسد وأبيه الرئيس الراحل حافظ الاسد.
وقال اللبواني وهو واحد من الاقلية الليبرالية في الائتلاف الذي يهيمن عليه اسلاميون "الائتلاف هيئة تشريعية وهو بحاجة إلى كيان تنفيذي. وقعت أخطاء كثيرة والشعب في الداخل الذي يفترض أننا نمثله يشعر بالتهميش."
وتقول الامم المتحدة ان 60 ألف شخص قتلوا في الصراع المستمر في سوريا منذ 22 شهرا.
ومع تصاعد الصراع بين السنة والشيعة بعد انتفاضات الربيع العربي التي اطاحت بحكام مستبدين في اربع دول فإن انهيار الدولة في سوريا قد يجر القوى المتنافسة في المنطقة إلى الصراع كما أنه قد يعزز الصعود السياسي للاسلاميين.
وادى صعود المسلحين الجهاديين خلال الاشهر القليلة الماضية كقوة مهيمنة في المعارضة المسلحة وامكانية إقدام الأغلبية السنية على رد فعل انتقامي ضد الاقلية العلوية التي ينتمي اليها الاسد إلى احجام القوى الدولية عن دعم المعارضة التي تزداد تشددا.
وقال نشطاء معارضون ان قوات الاسد قتلت ما يزيد على مئة رجل وامرأة وطفل من السنة عندما اقتحمت حيا تسيطر عليه المعارضة في مدينة حمص بوسط البلاد يوم الثلاثاء.
ووقعت المذبحة في نفس الوقت تقريبا الذي وقع فيه هجوم اسفر عن مقتل واصابة عشرات في جامعة حلب التي كانت معقلا للمظاهرات السلمية في بداية الانتفاضة السورية.
ومع تراجع الامال في التوصل إلى اتفاق لتنحي الاسد يتعين ان يكون اختيار اي رئيس للوزراء موضع قبول من جانب المعارضة التي تحقق مكاسب ميدانية على الرغم من القصف الجوي والمدفعي.
وكان تعيين حكومة انتقالية جزءا من الاتفاق الاصلي الذي تشكل على اساسه الائتلاف العام الماضي.
لكن مصادر مختلفة في المعارضة قالت إن بعض قادة المعارضة تزايد قلقهم خوفا من تأثير القوى الغربية على الوضع بما قد يؤدي إلى تشكيل حكومة يمكن ان تتفاوض مع الاسد وتترك الدولة القمعية التي تحكمها الاقلية كما هي.
وقالت مصادر بالمعارضة ان جماعة الاخوان المسلمين القوية -وهي القوة السياسية الوحيدة المنظمة في صفوف المعارضة- تعارض تشكيل حكومة في الوقت الحالي على الرغم من ان اعضاء مدعومين من العرب والغرب في الائتلاف يريدون تشكيل مثل هذه الحكومة.
وتشكل الائتلاف الذي يضم 70 عضوا بدعم غربي وخليجي في قطر في بداية ديسمبر كانون الاول. وبرز صراع القوى بسرعة بين اعضاء الائتلاف وهو ما انعكس في المحاولات الفاشلة لتشكيل حكومة انتقالية.
وقال اللبواني - السجين السياسي السابق - ان الحكومة الانتقالية لن تتفاوض على اي اتفاق يبقي الاسد في السلطة. وقال انه سيرشح رئيس الوزراء السابق رياض حجاب وهو ارفع مسؤول ينشق على الاسد منذ بداية الانتفاضة ليكون رئيس الوزراء الانتقالي القادم.
ورفض اللبواني المخاوف لدى المعارضة من ان حجاب كان يعمل لسنوات في خدمة نظام الاسد.
وقال "لا أعرف ما هي المشكلة. حجاب مؤهل وهو الان يخدم الثورة. لدينا بالفعل مئات من المنشقين في الجيش السوري الحر."
ومن الممكن ان ينافس حجاب على المنصب اسعد مصطفى الذي فر من سوريا بعد ان كان وزيرا للزراعة تحت حكم حافظ الاسد.
لكن عضو الائتلاف عبد الاحد اصطيفو -وهو واحد من ثلاثة مسيحيين في الائتلاف- قال ان هناك امورا اكبر يجب حلها اولا.
وقال "تلقينا بالفعل الكثير من الوعود بأننا بمجرد أن نتحد سنحصل على دعم دولي. جاءنا القليل جدا وللاسف المجتمع الدولي ليس مستعدا لإنهاء نظام الأسد."
واضاف "اذا شكلنا حكومة فعلينا ان نضمن اولا انها ستلقى الاعتراف الدولي وأنها ستحصل على ما يكفي من التمويل وانها ستتمكن من العمل في المناطق المحررة في سوريا."