العلمانية القلقة: حالة فرنسا إزاء مسلميها

تاريخ النشر: 15 مايو 2008 - 07:44 GMT

محمد سيف حيدر

**

بقدر

ما كانت العلمانية الغربية اكتشافاً إيجابياً ومُبدعاً، بما أتاحته من فرصٍ سياسية لفكّ الاشتباك الذي كلّف المجتمع الغربي عشرات الحروب، بسبب الصراع على الدمج بين الدولة والاعتقاد الفكري؛ تُهدد العلمانية المعاصرة المتحولة إلى دين أو أيديولوجيا بتخريب الوعي السياسي والنضج المجتمعي وتعميق الخلط، تالياً، بين سلطة الدولة ومذهب الفرد وعقائده.

وفي

أفق هذا التحول، تتبلور أزمة العلمانية الغربية في أقصى تجلياتها ومفارقاتها. ولعل النموذج العلماني الفرنسي (وهو أحد النماذج العالميةلا الغربية فحسبالأكثر تشدداً في علمانيته ولائكيته؛ وهنا تحديداً تكمن خصوصيته) من أهم الأمثلة التي تعكس بشكل صارخ معالم هذه الأزمة، والتي تبدو مُجسّدةًبكل وضوحمن خلال تعاطي الدولة الفرنسية مع قطاع مهم من قطاعات الشعب الفرنسي، والمقصود بالطبع مسلمي هذا البلد بفئاتهم وشرائحهم كافة.

إن

مقتضى "الفرادة" التي تُميز النموذج العلماني الفرنسي، كما يقدمه مؤيِّدوه، اعتماد النظام السياسي والاجتماعي والثقافي لهذا النموذج على تقديس حرية الفرد ومساواته مجرداً من انتمائه الديني أو الإثني. ويدور لبّ المنطق الفرنسي على حشد المواطنة خلف قيم الجمهورية على نحوٍ يُعيد ترتيب الفرد وفق نموذج الجمهورية الجماعي.

وواضح

أن نموذج فرنسا في مسألة الانصهار الاجتماعي يختلف عن ذلك الأنجلوساكسوني الذي يتأسس على فكرة تعايش المجموعات بالاحتفاظ بخصائصها الإثنية والثقافية والدينية في مقابل احترام الآخر ضمن الوطن الكبير وقواعده.

إن

علاقة فرنسا بالإسلام بعيدة الغور في التاريخ وقديمة جداً، ولا شك أنها الأقوى مقارنةً بالدول الأوروبية الأخرى، إذا استثنيت حالة إسبانيا المعقدة. وقد تلقت هذه العلاقة دفعة قوية واكتسبت طابعاً خاصاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحت تأثير مُقتضيات إعادة الإعمار والتي جعلت فرنسا تُكثِّف من سياسة الاستقدام للعمال الأجانب من المستعمرات، والتي بدأت مع البربر الجزائريين منذ عام 1906؛ فشرعت في استقدام العمال المغاربة، الذين زاد عددهم عن المليون في الستينيات.

يتراوح

عدد المسلمين في فرنسا حالياً بين خمسة وستة ملايين شخص، وعليه تعتبر فرنسا أكبر دولة أوروبية في تعداد المسلمين، وإذا أخذنا في الاعتبار التقدير الأعلى، فستكون نسبة عددهم حوالي عُشْر عدد السكان. وفي العلاقة بين هؤلاء والدولة الفرنسية، ظلّ الرهان الأساسي هو مدى قدرة الجانبين على التعاطي والتفاعل مع قضية "دمج" المسلمين في المجتمع، ومن ثم "اندماجهم" بصورة سليمة وكاملة يُمكِن أن تُشكل نموذجاً مُشجعاً في سائر أنحاء القارة الأوروبية.

ما

لا تدركه العلمانية الفرنسية على أن النموذج العلماني الفرنسي للاندماج ما فتئ منطوياً على إشكالٍ جوهري؛ فهذا النموذج ينطلق من ضرورة كسر التجمعات الإثنية والدينية، ويُعطي لها هامشاً أقل من التعبير الثقافي المستقل مقارنة بالنموذج الأنجلوساكسوني. فمن الصعب أن نجد في فرنسا كنائس مغلقة على السود أو على الآسيويين فقط، كما لا ينظُر هذا النموذج بعين الارتياح لهؤلاء المسلمين الذين يرتدون أزياءهم التقليدية أثناء ذهابهم إلى المساجد أو أثناء سيرهم في الشوارع، ويعتبر أن التماهي وأحياناً التطابق مع قيم النموذج الفرنسي يكسرأولاًالانغلاق العرقي، ويعطيثانياًفرصاً أكبر لأبناء هذه الجاليات في الترقي داخل السلم الاجتماعي والسياسي بمنحهم فرصاً متساوية عن طريق دمجهم في قيم الجمهورية الفرنسية وليس من خلال بقائهم في تجمعات إثنية ودينية مغلقة. ومع أن المؤسسات الرسمية الفرنسية تُعلن مراراً وتكراراً أنها تعمل على إنصاف مواطنيها المسلمين، إلا أنها لم تحقق نجاحات ملحوظة. فعلى سبيل المثال، تصل نسبة البطالة بين المسلمين ذوي الأصول الجزائرية والمغاربية إلى 30% بينما هي لدى الفرنسيين بعامة لا تزيد عن 10%. ثم أن الوظائف التي تُعرض على هؤلاء أكثرها مؤقت، وليست من الدرجات التي تتفق مع المؤهلات.

ما

لا تدركه العلمانية الفرنسية (أو هي تدركه وتحاول أن تتجاهله)، أن الاندماج لا يسعه أن يتحقق من طرف واحد، وأنه ينبغي أن يكون هناك اثنان لإنجاحه. وأنه بالحكمة والسياسات بعيدة المدى وغير التمييزية يمكن التوفيق بين القيم الجمهورية والهوية الإسلامية العصرية، ويبقى خطراً إلى حدّ كبير ذلك الانطباع عن عنف الإسلام أو عن افتراقه عن قيم الجمهورية الفرنسية.

ويتبقى

لنا في الأخير، التأكيد على أن العلمانية تعني حماية الدولة من الدين، ولا تعني مطلقاً إعطاء الدولة الحق بإلغاء مظاهر الدين (أيّ دين) أو تهميشها ومحاربتها، وإلا تحولت العلمانية إلى دين جديد يُلغي بقية الأديان ويُرغم الأفراد على اعتناقه. أي أن فكرة العلمانيةفي أرقى صورهاتقوم على خلق مجال عام يحترم حرية