برادلي بيرستون
*لن يغفر لنا الفلسطينيون. ليس فقط هؤلاء الاحياء اليوم، ولكن ابناؤهم سيزدروننا حتى يوم مماتهم، وابناؤهم وابناء ابنائهم.
سيلعنوننا بسبب قيامنا باحتلالهم واستغلالهم ومحاصرتهم وقصفهم، وبسبب سلبنا كرامتهم وارضهم.
الكراهية (وصلت حدا لدرجة) انها ستستمر حتى لو انهينا الاحتلال. سيكرهوننا، محقين او مخطئين، بسبب سلبنا لحقهم في حكم انفسهم، وتقويض قدرتهم على اقناع الاخرين بادبياتهم وقضيتهم، وخلق الظروف للحكم من قبل العصابات، وتشظية عائلاتهم، وخسارة الهدف الوطني والذاكرة.
حتى الجيل العاشر وما بعده، سنكون في الذاكرة الوطنية للفلسطينيين مثل فرعون وعمليق، هتلر وتشيميلنيتزلي، تايتوس وتوماس دي توركويمادا.
وايضا لن يغفر لنا اللبنانيون ابدا. لا عن الاجئين الذين قتلهم حلفاؤنا المسيحيون قبل ربع قرن في مخيمي صبرا وشاتيلا غرب بيروت، ولا عن المدنيين الذين قتلتهم قاذفات قنابلنا ومدفعيونا الصيف الماضي في الاحياء السكنية جنوب المدينة.
السوريون ايضا، يحملون نُدَبَهُم وحقدهم. حتى كثيرون ممن عقدنا معهم السلام في مصر والاردن، لا يزالون يكرهوننا، ولا يبدو انهم سيتوقفون عن ذلك.
العرب لن يغفروا لنا. ولا نحن سنغفر لهم.
لا غفران لقتل طفل. لا غفران لاطلاق صاروخ يقتل امرأة حبلى، وجدّا محبا، وطفلا في ملعبه. لا غفران لحماقة هذه الحرب التي لا تنتهي ولا تثمر.
وفي الامام، المستقبل مغلق: لا سلام، لا امل، لا مخرج.
وبعد، عندما ننظر اعمق، هناك اشارات تدل هناك اتجاه يمكن ان ينقذنا جميعا: نحن نخسر ايماننا بالحرب.
ليس ايماننا بحتمية الحرب. ربما الشئ الوحيد الذي يمكن ان ينقذنا من حرب لبنانية جديدة هذا الصيف هو الاعتقاد العالمي بان مثل هذه الحرب لا يمكن تجنبها.
لم نخسر ايضا ارادتنا للقتال. الشعوب في الشرق الاوسط مستشرسة ومحبة للجدل حتى منذ ما قبل ابيها ابراهيم، ولا تبدو هناك مؤشرات على انها على وشك التبدل.
ما تغير هو ايماننا بالحرب كحل لمسائل لا نريد كمجتمع التعامل معها في خفية بطرق اخرى. نريد الحرب لنفرض الحدود، ونعلم الخصوم دروسا، ونعلم الشباب المدنية، ونحرر المحتجزين، لتصحيح اخطاء التاريخ
– ولاصلاح ما نكرهه في حياتنا ولا نستطيع له علاجا ولا نعرف كيف نغفره.وحتى قبل ان يتضح ان نزاع لبنان كان يسير بمنتهى السوء، كان هناك شئ مثير للشفقة في وصف ايهود اولمرت لسبب اتخاذنا قرار الذهاب الى الحرب.
قال اولمرت لوكالة الاسوشييتد تبرس مطلع اب (اغسطس) "سوف افاجئكم".
"انا حقيقة اؤمن ان نتائج (النزاع) الحالي وبروز نظام جديد يوفر المزيد من الاستقرار ويهزم قوى الارهاب، سيساعد في خلق بيئة ضرورية ستسمح لي..بخلق زخم بيننا والفلسطينيين".
المفاجأة، بالطبع، كانت لاولمرت.
ولكنها كانت للشيخ حسن نصرالله ايضا. هناك شئ لا يقل اثارة للشفقة، شئ يائس تماما حول حاجة نصرالله للاقتباس من تقرير تحقيق لجنة فينوغراد التابعة للكيان الصهيوني حول الحرب من اجل ان يثبت لمواطنيه اللبنانيين ان الحرب كانت نصرا للبنان وليست فاجعة كما تستنتج اعداد متزايدة من المراقبين اللبنانيين.
قال نصرالله اخيرا "من المؤسف اننا، العالم العربي ولبنان، ننتظر لجنة اسرائيلية من اجل ان تسوي عنا هذا الخلاف وان تقول لنا بجدية انتم ربحتم ونحن (الاسرائيليون) هزمنا".
ادموند صعب ،رئيس تحرير صحيفة النهار اللبنانية اليومية، توصل الى استنتاج مختلف. جادل مطالبا بتحقيق تقوم به الدولة في مسؤولية حزب الله عن الحرب والدمار الذي تسبب به النزاع للبنان.
كتب صعب قائلا ان "تحقيقا ذا طبيعة عسكرية وقانونية هو اجراء مناسب..يجب ان نحقق في ما اذا اخطأ حزب الله في حساب الرد الاسرائيلي".
هناك شئ مثير للشفقة ايضا في شكل ولغة منظمة حماس، التي كانت ذات مرة الاكثر انضباطا..بين كافة الجماعات الفلسطينية التي تنتهج الكفاح المسلح.
فحماس، المتأثرة بحدة بالرأي العام الفلسطيني، لا تستطيع الى الان حتى امتلاك شخصية على طراز ميكي ماوس تدعو لحرب ضد اسرائيل.
بمواجهة جمهور انهكته الحرب، وجدت حماس نفسها غير قادرة على الدعوة الى النزاع الشامل كوسيلة تفضي الى نهاية. فحتى النهاية اصبحت مشوشة. ذات مرة كان الهدف ضربة نجلاء لا تسامح فيها للدولة اليهودية والتزام وثيق بازالتها بالقوة.
الان قادة حماس وبضمنهم خالد مشعل الذي يتخذ دمشق مقرا، يتخذون انعطافات، ويتجمعون امام الكاميرات العربية والغربية للاعلان عن ان دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن ان تتعايش مع دولة عبرية في حدود ما قبل عام 1967، ولفترة انتقالية ربما تتجاوز الستين عاما.
..واصبحت الرسالة قريبة من الاعتراف باسرائيل لدرجة ان القاعدة تذمرت (منها). "اين الثار، اين القنابل، اين النار؟" قال ابو يحيى الليبي، وهو قيادي في القاعدة مؤخرا في بيان على الانترنت موجه الى حماس، متهما الحركة بـ"خيانة شهدائها وربها".
(..)
بعد سبع سنوات من حرب كارثية وغير حاسمة في المناطق (الضفة الغربية) وصيف كارثي وغير حاسم في لبنان، ما تعلمناه، عربا ويهودا، هو ان: أي الجانبين لا يستطيع ربح حرب، لكن الجانبين يستطيعان خسارة حرب.
نحن بطيئون جدا، عربا ويهودا، لكننا نتعلم، جميعنا، ناخب اولمرت المفتون وناخب بيريتس غير المنعتق، وناخب هنية الساخط، وناخب نصر الله المذعور والمحروم.
وُعد الناخبون بان الحرب ستفي بالغرض، وتقلب الموازين وتفني العدو، وتفتح الطريق امام غد ذهبي,
الان يبدو بوضوح ان لدينا شكوكا. الحمد لله.
الشك هو العدو الكبير للحرب. ولهذا، وعند الذهاب الى الحرب، نفضل ان يكون القرار، والعزم، جليين، ووراء ظلال الشك بالنفس.
وكما كتب تي اس اليوت عام 1925، بعد سبع سنوات من اسوأ شهدها العالم "بين الفكرة والحقيقة، بين الحركة والتصرف، يقع الظل.
الشك- الطبيعة التي نكرهها بشدة، المسحة التي تخيفنا حتى الموت، الضعف الذي لا نستطيع غفرانه- يمكن ان يصبح سبيلنا للخلاص.
بهذه الطريقة تنتهي الحرب، ليس بانفجار، بل بظل.
*برادلي بيرستون..كاتب في صحيفة هآرتس الاسرائيلية.