تشكل توافق في الاراء يتسم بالغرابة في الشرق الاوسط لدعم الرئيس السوداني عمر البشير الذي ينظر إليه كضحية حقد غربي بغض النظر عن كونه بريئا أم مذنبا.
من إيران الى السعودية تكررت نفس الرسالة .. أمر الاعتقال الذي اصدرته الشهر الجاري المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير لارتكابه جرائم ضد الانسانية في دارفور إهانة لسيادة السودان.
البعض يكرر مقولة البشير بان المحكمة ومقرها لاهاي اداة للامبريالية التي تريد نفط وغاز السودان وثرواته الاخرى أو يبدي مخاوفه من ان يعرقل توجيه الاتهام جهود السلام في منطقة دارفور ويزعزع استقرار البلاد بصورة اكبر.
ويدين البعض الاخر ما يراه ازدواجا في معايير العدالة الدولية اذ مرت جرائم الحرب التي ارتكبتها اسرائيل ضد اللبنانيين والفلسطينيين أو الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق دون عقاب.
ولكن كثيرا من القوى الشرق اوسطية التي ادانت اتهام البشير لديها مشاكلها الخاصة بحقوق الانسان وتخشى ان ترسي المحكمة سابقة قانونية..
وقال هشام قاسم النشط المصري في مجال حقوق الانسان ان هذا سبب التضامن مع البشير مضيفا أنهم يتحركون من منطلق مصلحتهم الشخصية ومن أجل حماية انفسهم.
ومثل هذا التضامن ليس بجديد فنادرا ما ينتقد القادة العرب نظراءهم بسبب انتهاكات حقوق الانسان.
فعلى سبيل المثال لزم القادة العرب الصمت حين قتل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الاكراد في الثمانينات. وأيضا تغاضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون عن هذه الاعمال الوحشية اذ كانت تعتبر صدام سدا منيعا يتصدى لإيران.
وحاكمت الحكومة العراقية التي تشكلت عقب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 صدام على بعض هذه الجرائم واعدمته شنقا.
ورغم ذلك لم تدعم بغداد أمر الاعتقال الذي اصدرته المحكمة بحق البشير وألقت بثقلها وراء جهود الجامعة العربية لاقناع مجلس الامن بتأجيله لمدة عام.
وصرح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري وهو كردي لصحيفة الشرق الاوسط بان اصدار امر اعتقال بحق اي رئيس سابقة خطيرة جدا ليس في العالم العربي وحده بل في العالم باسره.
وتعهدت السعودية بالوقوف الى جانب السودان في اي امر يمكن ان يهدد سيادته ووحدة اراضيه.
وصدرت ردود مماثلة ولكن بلهجة اقوى من ايران وسوريا وحزب الله.
ووصفت سوريا خطوة المحكمة الجنائية الدولية بانها انتهاك صارخ لسيادة السودان وتدخل سافر في شؤونه الداخلية.
وفي طهران وصفت صحيفة إيران نيوز اليومية الناطقة بالانجليزية القرار بانه "مؤامرة من الدول الغربية العازمة على اغتصاب نفط السودان."
واتهم السيد حسن نصر الله امين عام حزب الله اللبناني المحكمة الجنائية الدولية بانها جزء من مؤامرة جديدة ضد السودان.
واضاف انها فضيحة كبيرة لمن يغضون النظر عن مذابح راح ضحيتها مئات الالاف في الكثير من الدول العربية والاسلامية ويطاردون رئيسا باتهامات لم تثبت صحتها وتحقيقات غير موثقة.
ويقول خبراء دوليون ان ما لا يقل عن 200 الف شخص قتلوا في دارفور منذ ان حمل متمردون من غير العرب السلاح في عام 2003 . وتقدر الحكومة السودانية عدد القتلي بعشرة آلاف.
ويفترض كثيرون من المدافعين عن البشير أن أدلة جرائم الحرب مزيفة او ملفقة من الغرب. وتجد مثل هذه الاتهامات التي يسوقها القادة العرب صدى في العالم العربي حيث الكراهية راسخة للتدخل الخارجي وبصفة خاصة حين يبدو انه بايعاز غربي.
وقال حازم صاغية الكاتب في صحيفة الحياة التي تصدر في لندن ان الحاكم يستفيد لانه يواصل سيطرته على الشؤون الوطنية ويتصور المحكومون انهم احرار من اي تدخل امبريالي.
ويرى نشطاء حقوق الانسان العرب الذين يعترفون بانهم اقلية ضئيلة ان ثمة مبرر للغضب ازاء التناقضات الاخلاقية للغرب ولكن لا يرونه سببا لعدم التحرك ازاء الانتهاكات العربية.
وقال نديم حوري الباحث بمنظمة هيومان رايتس ووتش في لبنان ان هناك انتقائية فيما يتعلق بالعدالة ولكن الحل يتمثل في التوجه نحو عدالة اشمل. وتابع أن ينبغي ان يكون هناك عدل في دارفور وفي غزة ايضا ولضحايا اخرين.
وأضاف ان من المفارقة ان المنظمات العربية المختلفة كانت تأمل ان تقنع المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم حرب محتملة ارتكبتها اسرائيل في حربها على غزة التي استمرت 22 يوما وانتهت في شهر كانون الثاني/يناير.
وتابع أن في نفس الوقت تتهم المحكمة بانها مسيسة وتستهدف الرئيس السوداني.
ويأس كثير من العرب من ان تنصفهم العدالة الدولية ويعتقدون ان الولايات المتحدة تسمح لاسرائيل بان تنجو بكل افعالها وبغض النظر عن القانون الدولي.
وصرح كريم مقدسي الذي يحاضر في العلاقات الدولية في الجامعة الاميركية في بيروت بأن حين تطبق تلك المباديء الدولية بشكل انتقائي ينظر لها على انها مجرد مناورات سياسية وعدالة المنتصرين.
وتابع انه اذا كان هناك اي تحرك حقيقي لمحاكمة قادة اسرائيل على جرائم حرب ارتكبوها على مدار عقود من الزمان تمتد من الاربعينات الى الحرب الاخيرة في غزة فسيكون هناك دعم أكبر لمحاكمة البشير أو اي عدد من الزعماء العرب.