سجل الشهر الماضي اعلى حصيلة للقتلى في العراق منذ ايلول/سبتمبر الماضي، حيث قضى 355 شخصا في سلسلة من التفجيرات التي اثارت مخاوف من أن البلاد يمكن أن تنزلق مجددا الى صراع طائفي أوسع نطاقا.
واعلنت وزارات الدفاع والداخلية والصحة في العراق الجمعة مقتل 355 شخصا جراء اعمال العنف خلال نيسان/ابريل الماضي، وهي الحصيلة الاعلى منذ ايلول/سبتمبر 2008.
وافادت حصيلة الوزارات الثلاث ان بين القتلى "290 مدنيا و41 شرطيا و24 عسكريا".
كما "اصيب 640 مدنيا و97 شرطيا وعشرة عسكريين بجروح" خلال الشهر ذاته، وفقا للوزارات.
يشار الى مقتل 440 شخصا في ايلول/سبتمبر.
وبذلك، تكون نسبة الارتفاع قرابة اربعين بالمئة مقارنة مع شهر اذار/مارس الماضي حيث اعلنت السلطات المعنية مقتل 252 شخصا.
كما لقي ما مجموعه 258 عراقيا مصرعهم جراء العنف خلال شباط/فبراير الماضي.
وتمكنت القوات العراقية وقوات التحالف الدولي خلال نيسان/ابريل من قتل 53 "ارهابيا" واعتقال 831 اخرين.
ومنذ مطلع العام الحالي، لقي ما لايقل عن 1056 عراقيا مصرعهم، وفقا للمصادر ذاتها.
وقتل حوالى ستة الاف وثمانمئة شخص في العراق العام 2008 في حين قتل اكثر من سبعة عشر الفا خلال العام 2007.
من جهته، خسر الجيش الاميركي 18 عسكريا خلال نيسان/ابريل في حصيلة هي الاعلى ايضا منذ ايلول/سبتمبر 2008، مقارنة مع تسعة عسكريين الشهر الماضي.
العنف الطائفي
اهتز الوضع الامني الذي تحسن في أنحاء العراق من جراء سلسلة من التفجيرات المدمرة في الاسبوعين الماضيين مما أثار مخاوف من أن البلاد التي تعاني ويلات الحرب يمكن أن تنزلق مجددا الى صراع طائفي أوسع نطاقا.
لكن ماذا يتطلب الامر لكي تتجدد عمليات اراقة الدماء على نطاق واسع. وهل عراق اليوم الذي يسعى جاهدا لجذب استثمارات أجنبية هو نفس المكان الذي كادت تمزقه صراعات طائفية بين السنة والشيعة قبل ثلاث سنوات.
لقد استهدفت التفجيرات الانتحارية الاخيرة في الاساس شيعة سواء من العراق او من الزوار من ايران المجاورة. وكان أحد أهداف المهاجمين الانتحاريين الاسبوع الماضي مرقد الامام موسى الكاظم بحي الكاظمية الذي يغلب على سكانه الشيعة في بغداد.
ويتوقف نطاق أعمال العنف في المستقبل على ما اذا كانت جماعات مسلحة من الاغلبية الشيعية للبلاد التي تنحي باللائمة في أعمال العنف على متطرفين سنة سوف ترد بهجمات ثأرية.
حينها يمكن أن تكون تلك هي النقطة التي تنقلب عندها موجة الهجمات الارهابية الى صراع طائفي أوسع نطاقا.
فالذي فجر أعمال العنف الطائفي الواسعة التي شهدها العراق عامي 2006 و2007 هو تدمير مسجد الامام العسكري ذي القبة الذهبية في سامراء في فبراير شباط عام 2006 . ونجح ذلك التكتيك حينها وهناك مخاوف من أن هذا هو ما يحاول المتشددون الاسلاميون تكراره الآن.
وتتمتع جماعات شيعية مسلحة بالقدرة على الثأر لكن الظروف تغيرت تغيرا كبيرا منذ عام 2006 .
وباتت احدى الميليشيات الشيعية الضالعة في أعمال العنف الانتقامية ضد السنة فيما مضى وهي ميليشيا جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي الشاب المناهض للولايات المتحدة مقتدى الصدر مجرد شبح لما كانت عليه.
وطلب الصدر من معظم افراد ميليشياته القاء السلاح. وأصدر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي اوامره للقوات العراقية المدعومة بالجيش الامريكي بشن حملة ضد الميليشيا العام الماضي في مدينة البصرة بجنوب العراق وفي حي مدينة الصدر ببغداد.
اما الجماعة المسلحة الشيعية الكبرى الاخرى فهي منظمة بدر وهي الجناح المسلح للمجلس الاعلى الاسلامي العراقي شريك المالكي في الائتلاف الحاكم الذي يقوده الشيعة. ويقول محللون ان منظمة بدر يمكن أن تنتقم من المتشددين السنة.
ويقول دبلوماسيون غربيون انه في عام 2006 كانت الحكومة والجيش والشرطة في حالة من الضعف والفوضى. اما اليوم فالدولة تملك قوات أمن قوامها 600 الف فرد وأوضحت أنها الوحيدة صاحبة الحق في استخدام القوة. ويعتقد الدبلوماسيون الغربيون أن الحكومة لن تتسامح مع عمليات انتقام من قبل قوات غير رسمية.
كما يخضع الكثير من المدن العراقية الآن لحماية افضل. وزادت الحوائط الخرسانية ونقاط التفتيش المتعددة من فرص قوات الامن لكشف السيارات الملغومة والمهاجمين الانتحاريين او فرق الموت المتجولة.
الى جانب هذا يتمتع المقاتلون بدرجة أقل من الدعم بين عامة الجماهير مما يزيد من صعوبة اندماجهم واختبائهم بين الناس.
وأخيرا ساعدت الهجرة الجماعية من جراء اراقة الدماء في تقليل فرص الانتقام. فهجرة السنة من مناطق شيعية والعكس جعل المناطق المختلطة أقل في بغداد على سبيل المثال.
اما القوات الامريكية التي غزت العراق عام 2003 ثم اطاحت بالرئيس الراحل صدام حسين فمن المقرر أن تنسحب من مدن العراق في يونيو حزيران القادم كما سنتهي عملياتها القتالية في العراق بنهاية اغسطس اب 2010 على ان تنسحب بالكامل بحلول نهاية 2011 .
ويتوقع مسؤولون عراقيون أن تحاول جماعات مثل القاعدة استغلال خفض القوات الامريكية لنشر مزيد من الفوضى.
كما يتوقعون هجمات ثأرية لاعتقال رجل في الاسبوع الماضي يقولون انه ابو عمر البغدادي زعيم جماعة تسمى دولة العراق الاسلامية تابعة لتنظيم القاعدة.
وتجرى في العراق انتخابات عامة بنهاية العام ويخشى الكثير من العراقيين من أن يثير هذا موجة من التفجيرات والاغتيالات حيث تتنافس جماعات مسلحة وأحزاب سياسية كثيرة على الهيمنة على الدولة المنتجة للنفط.
وخرج المالكي من انتخابات مجالس المحافظات التي أجريت في يناير كانون الثاني مكتسبا قوة سياسية غير متوقعة ومن المتوقع أن يستخدم منافسوه وسائل شريفة وغير شريفة لمحاولة منعه من الانتصار في الانتخابات العامة ايضا.
وهناك توتر متزايد ايضا بين العرب والاكراد الذين يمثلون أقلية ويسعون الى توسيع نطاق حدود منطقتهم المتمتعة بما يشبه الحكم الذاتي بشمال العراق. وتفجر العنف في مناطق تسكنها أعراق مختلطة مثل مدينة الموصل بشمال البلاد.
ويرى محللون أنه على العراق ان يتوقع اضطراره للتعامل مع هجمات انتحارية وهجمات بسيارات ملغومة لسنوات كثيرة قادمة حتى اذا استطاع تجنب العودة الى صراع حرب طائفية واسعة.
ويقول دبلوماسيون انه يجب عدم التقليل من شأن الغضب الذي يشعر به بعض العراقيين السنة مما يعتبرونه تهميشا لهم من قبل الشيعة. وقد يغذي هذا تمردا للمتطرفين السنة وربما أعضاء بحزب صدام وهو حزب البعث المحظور الان وقد يستمر هذا التمرد خمسة أعوام.
كما قد يسود أيضا اعتقاد بين بعض السنة بأن شيعة العراق يدينون بالولاء لايران وهو ما يذكي التوترات.