تستمر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا بتكثيف جهودها لكشف ملابسات الفظائع الجسيمة التي اقترفها النظام البائد وضمان محاكمة مرتكبيها، حيث تبرز قضية الطبيبة رانيا العباسي وأطفالها الستة كإحدى أشد القضايا الإنسانية قساوة في وجدان السوريين. وتؤكد الهيئة أن يد القضاء لن تطال الأدوات المنفذة فحسب، بل ستمتد لتشمل المخططين والمحرضين وكل من تآمر أو غض الطرف عن تلك الفظائع، ترسيخاً لسيادة القانون وحمايةً للمستقبل من تكرار هذه التجاوزات. وفي هذا الصدد، أوضح المحامي رديف مصطفى، مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة، لوكالة الأنباء "سانا"، أن جلاء مصير هذه العائلة يمثل الخطوة الأولى في مسار قضائي شامل يهدف إلى تعرية الحقائق كاملة وملاحقة المتورطين بلا استثناء.
وصنف مصطفى هذه القضية بأنها جريمة مركبة تقع في خانة الجرائم ضد الإنسانية، لكونها تمزج بين الإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء، الأمر الذي يتطلب تفعيل أدوات القانون الجنائي الدولي وقواعد العدالة الانتقالية لملاحقة الجناة. وجدد تأكيده على أن التحقيقات تجري ضمن رؤية متكاملة لرصد الانتهاكات الكبرى، مشيراً إلى أن المسؤولية الجنائية والوظيفية ستلاحق كل من أصدر الأوامر أو امتنع عن إيقاف الجريمة وهو في موقع المسؤولية. كما استعرض البنية الهيكلية للعدالة الانتقالية في البلاد، مبيناً أنها ترتكز على ستة مسارات متوازية تبدأ من إظهار الحقيقة والمحاسبة والمساءلة، وتمر بالإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، وصولاً إلى تخليد الذاكرة الوطنية السورية وصيانة السلم المجتمعي، لتطهير إرث القمع الممتد منذ عام 1970 وحتى انهيار النظام.
وشدد مدير إدارة المحاسبة على أن فلسفة القضاء الجديد لا تهدف إلى الثأر أو العقاب الجماعي، بل ترتكز على مبدأ المسؤولية الفردية الصارمة لكل من يثبت ضلوعه في الجرائم أو التستر عليها عبر التسلسل القيادي وصولاً إلى قمة هرم منظومة القمع السابقة. واعتبر أن الغاية الأسمى هي رد الاعتبار للضحايا وتأسيس مجتمع مستقر محصن بالعدالة ومحكوم بالدستور.
وجاءت هذه التحركات المؤسساتية عقب طي صفحة الماضي والتحرير في الثامن من كانون الأول لعام 2024، حيث سارعت الدولة السورية إلى مأسسة ملف العدالة الانتقالية. وفي هذا السياق، أصدر الرئيس أحمد الشرع في السابع عشر من أيار لعام 2025 المرسوم التشريعي رقم (20)، والذي قضى بموجبه بتأسيس "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" ككيان وطني مستقل ماليّاً وإداريّاً، يمتلك الصلاحية القانونية الكاملة للعمل والتقصي في كافة المحافظات والمناطق السورية.
