الصومال: المنبوذون الخارجون عن القانون

تاريخ النشر: 14 نوفمبر 2009 - 05:06 GMT

أيمن عبوشي

يغرس الصومال نصله في خاصرة المياه الإقليمية، مطلقا ملوك إيتاكا السمر ليسرقوا المارين من خليج عدن.. ويؤكد أن حمام الدم في مقديشيو، سيرشق العابرين في بحره، ويجعل من مياهه مثلث برمودا آخر.. ويبدو أن أمراء الحرب في الأرض المنبوذة، أقسموا على جبي الإتاوة من العالم، طالما مر أمام سواحلهم مرور الكرام، ولم يلتفت إلى حرب القبائل والدعاة التي أكلت الأخضر واليابس منذ 1991 وحتى اللحظة.

ومثل أفغانستان التي استطابت بيع الأفيون لتشتري الموت، خرج الصوماليون عن القانون إلى مضيق باب المندب، لجني بعض المال وقودا لإلياذة القحط والسلاح، بعد أن نضب شرق إفريقيا، وصار مرتعا للأزمات السياسية، والفقر، والقنوط.

وأفضى الصومال، صقلية القرن الحادي والعشرين، منسيا على قارعة القرن الإفريقي، يقتات على فتات الدول العظمى من سفينة عابرة هناك، أو ناقلة نفط ضلت طريقها، بانتظار تسوية تقنع الدول الكبرى بجدوى التدخل في بلد مسحوق صار ساحة لتصفية الحسابات، وسوقا سوداء يبيع فيه النخاسون البنادق والأطفال، ولا يملك إلا العطش والفوضى يقاضي به النوايا الحسنة لإنهاء الحرب التي بدأت منذ ما يقارب العقدين.

وشيخ شريف أحمد، رئيس بلا أرض، قتلته اللعنة الأمريكية، عندما بارك البيت الأبيض وصوله إلى الحكم، هناك في القصر الرئاسي المتصدع، يواسي شيخ شريف نفسه، بعد أن قبل صفقة التصالح مع الذات، والسلطة، متحصنا وراء اعتراف دولي، وبضع مئات من قوات الاتحاد الإفريقي، ومن تبقى من المحاكم الإسلامية، لتفصله بضع خطوات عن شباب المجاهدين، الذين ورثوا الراية عن زعامات القبائل المتناحرة، فيما الحرب تتحدث باللغة نفسها، ولا شيء أكثر.

واليوم، تبقي أمريكا بوارجها على بعد فراسخ من الشطآن الصومالية الجائعة، متربصة بقراصنة طائشين تجرفهم الأمواج صدفة إلى أعالي البحار، وتفكر مرتين قبل أن تتورط مجددا في معركة أخرى خاسرة على الأرض، خشية التعرض للمهانة نفسها، عندما سحل رجال الزعيم القبلي، محمد فرح عيديد، جنود المارينز في شوارع العاصمة، وسط طقوس هستيرية أدخلت الرعب إلى قلب أقوى دولة في العالم.

والصومال الذي ظل (بونراكو) سوداوي على مدى سنوات، أخرج دراما العرائس البائسة من محيطها الأقليمي، وفجّر الموقف من مجرد احتراب داخلي إلى أزمة إقليمية تداعى لها المجتمع الدولي، لتتشابك خيوطها ممتدة إلى طريق الحرير بين الشمال والجنوب، وتهدد تجارة النفط، وتحيل الممر الآمن من المتوسط إلى البحر الأحمر، أزمة دولية، استدعت إصدار ثلاث قرارات من مجلس الأمن، لم تفلح في كبح جماح الباحثين عن الكنوز السائبة على أسطح البواخر، حتى باتت القرصنة سوقا رائجة تجذب إليها الفارين من الوطيس، والعاطلين عن العمل، وأمراء الحرب الذين صاروا سماسرة لأولئك المحاربين باسم الدين.

ولأن الصومال، مجرد قفر تنعق فيه الغربان، لم يضعه المجتمع الدولي على أجندة اهتماماته، ولم تفزع المنظمات الدولية إليه بالنجدة، ولم تكتب عنه التقارير، تدون الانتهاكات تلو الأخرى، أو تدفع باتجاه قضية يثور لها الجميع، وتصبح وصمة عار على جبين الإنسانية.. ففي الصومال، لم تبق هناك دولة، أو نظام، كي يصف العالم صيادي البلد، بالخارجين عن القانون، طالما لا قانون يحكم الغابة، ولا حدود ترسم معالم الفوضى في خرائب بلد مزقه الاستعمار الأوروبي بالأمس، وضغينة ذوي القربى.

وإلى أن يحفر الصوماليون بئر بترول آخر يروي عطش شركات النفط، ستظل بلادهم وديعة الحرب، واللامبالاة الدولية، ورهنا بالعصبية القبلية، والخوارج.. وحبيسة عقدة النقص الإثيوبية، ورغبة أديس أبابا في إطلالة بحرية تنهي عزلتها التي حكم بها عليها لدى ولادة جارتها اللدود، إريتريا