سبعة اسابيع مضت على غسان محمد عبد الله وعائلته وهم يحتمون داخل منزلهم في شمال اليمن بينما الحرب تستعر في الخارج ومخزون الطعام لديهم يتناقص. كان يسمع القاذفات الحكومية تخرق الاجواء، وكان يعرف متمردي الحوثيين من شعارهم وكوفيتهم المتميزة. لكن ادراكه لم يرق الى مستوى معرفة الدافع وراء هذا الاقتتال.
وقد نشرت صحيفة "ذي انترناشونال هيرالد تربيون" الاميركية مقالا لمراسلها في اليمن روبرت وورث ينسب فيه الى عبد الله تساؤله "ما الذي يلهثون وراءه، وماذا يدور في خلدهم؟". قال ذلك وهو يشعر بالاسى ويجلس على عتبة صديق بعد مرور اسبوع من فراره من منطقة القتال المنتشر على امتداد الحدود الشمالية الغربية النائية المشتركة مع المملكة العربية السعودية.
وتلك تساؤلات تترد في انحاء العالم العربي وما بعده. فقد مر اكثر من شهرين على الاقتتال العنيف الذي خلف الاف القتلى ودمر قرى باكملها، وأجبرعشرات الالاف على الفرار من منازلهم، واشعل ازمة انسانية ونشر الفوضى ما جعل اليمن ملجأ آمنا جديدا للقاعدة وللجماعات المتشددة الاخرى.
وتضيف الصحيفة قائلة الا انه يبدو ان هذه الحرب الغامضة ترتبط على نطاق اوسع بسلطة الدولة اليمنية المتهالكة اكثر منها بسبب معين. فالثوار الحوثيون ليسوا الا جماعة صغيرة لم يصدر عنها اي مطالب محددة. وقد قامت تلك المجموعة بقتال الحكومة بين فترة واخرى منذ العام 2004، ولم يتضح السبب الذي دعا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الى اللجوء الى الحرب الشاملة في شهر آب (اغسطس).
كثير من المسؤولين الحكوميين يقولون ان الصراع لا يتمحور كله حول السيطرة على الارض بالقدر الذي تكمن وراءه جهود الرئيس صالح لتأكيد سلطته العسكرية في وجه التمرد المتمدد والتنافس السياسي المكثف في العاصمة.
وقال مسؤول يمني رفيع المستوى اشترط عدم الكشف عن هويته ان "صالح بدأ هذه الحرب بشكل رئيسي لانه يريد ان يخلفه ابنه، بينما هناك كثير من العسكريين والحكوميين لا يقبلون بذلك". وكان هذا المسؤول يرددن بذلك تحليلا غالبا ما يسمع هنا. واضاف ان "الناس يلتفون حوله في حال الحرب، حتى الولايات المتحدة تقف وراءه خشية انتشار الفوضى في اليمن اذا خسرها".
لكن وزير الخارجية اليمني ابو بكر القربي يرفض هذه النظرية باعتبارها تكهنات عقيمة. وقال ان الحوثيين اجبروا الحكومة على استخدام القوة بارهابهم سكان شمال اليمن واغتيال الزعماء المحليين والتسلح من جديد منتهكين بذلك اتفاقا لوقف اطلاق النار تم التوصل اليه العام الماضي. واضاف ان للاقتتال بُعدين اقليمي وطائفي: فالحوثيون ينتمون الى فرع شيعي اسلام في انحاء المنطقة بما فيها ايران. (إلا أن الحوثيين نفوا كل هذه الاقوال في بياناتهم الرسمية). اما اليمن فانها تعتنق المذهب السني.
ويقول القربي في لقاء جرى بمكتبه "قامت الحكومة ببذل جهود للتوسط، الا اننا في النهاية شعرنا انه لا بد من اتخاذ اجراء".
ويبقى ان الشكوك تخيم على الكثير فيما يتعلق بالحرب ، لان الحكومة اليمنية منعت الصحفيين والمراقبين المستقلين منعا تاما من دخول ولاية صعده، مركز الاقتتال.
ومع ذلك فان من الواضح ان الصراع انتشر في الكثير من انحاء الشمال اليمني الذي لا تحكمه القوانين. وهناك حوالي 150 ألف شخص فقدوا منازلهم حسب وكالة اللاجئين الدولية. وهناك عدد اكبر من ذلك محشورون في صعده، لا تستطيع جماعات الاغاثة الوصول اليهم، فيما بدأ يشح الغذاء والماء والوقود. اضافة الى ذلك فان المنطقة مليئة بالاسلحة ولا يمكن السيطرة عليها حتى ان الحكومة استخدمت احد كبار تجار الاسلحة كوسيط مع الحوثيين.
ويقول الذين تمكنوا من التسلل الى خارج منطقة القتال ان الازمة تتجه نحو الاسوأ.
ويقول عبد الله(60 عاما) الذي غادر منزله في اواخر ايلول (سبتمبر) "لو اننا لم نهرب من منزلنا لكان مآلنا الموت. فالمنزل كان في وسط عمليات القتال. وقد خرجنا نحمل ملابسنا على ظهورنا ولا شيء آخر".
وفي الطريق الى الجنوب انضمت عائلات يائسة اخرى تسعى وراء السلامة الى قافلة عائلة عبد الله. وقد ترددت دول كثيرة مانحة في ارسال الاموال بسبب القلق من عدم الاطمئنان الى وصولها من ناحية وبسبب الفساد الحكومي من ناحية اخرى.
ويبدو ان نفوذ الحوثيين قد تنامي باستمرار منذ بدء الصراع في العام 2004 ومرد ذلك في معظمه الى اخطاء ارتكبتها الحكومة. فقد بدأت حركة الحوثيين كمجموعة صغيرة من المتمردين في الجبال الموالين لحسين الحوثي، العضو السابق في البرلمان اليمني. وينتمون الى مجموعة شبه ارستقراطية من الزيديين الذين يدعون انهم من سلالة الرسول عليه السلام وقد حكموا البلاد طوال الف عام تقريبا حتى العام 1962.
وقد اثار استخدام الحكومة للغارات الجوية ورجال قبائل من قطاع الطرق للقتال حفيظة السكان المحليين في صعده. فانضموا الى صفوف الحوثيين في القتال بعد مقتل حسين الحوثي العام 2004، واتسع اطار القتال ليشمل اقاليم مجاورة.
واطلق القتال في صعده عداوة قبلية وطائفية، وتشكلت مجموعة الحوثيين للقتال ضد نفوذ الاسلاميين السنة المتشددين الذين يتلقون الدعم من المملكة السعودية المجاورة. وقد استخدمت الحكومة اليمنية هؤلاء المتطرفين (الذين يعرفون بـ السلفيين) للقتال ضد الحوثيين.
ويقول نشوان يحيى أحمد، وهو من الفارين من صعده ان "الحكومة لا تحترم حقوق الانسان الا بالنسبة للسلفيين".
وبالاضافة الى حملتها التي تحرق الارض ضد الحوثيين فان الحكومة اليمنية تواجه تحديات اخرى خطيرة. فحركة الانفصاليين الجنوبيين التي تفاعلت لسنوات انطلقت في موجة عنف علنية في وقت مبكر من هذا العام وحظيت بالدعم من احد حلفاء صالح المهمين. اذ اعادت القاعدة تنظيم صفوفها في اليمن وتستخدم البلاد كقاعدة لهجماتها في انحاء المنطقة.
وقال ماجد الفهد، مدير مجموعة خاصة تطلق على نفسها اسم المؤسسة الديمقراطية المدنية، الذي امضى فترة من الزمن في صعده في اواخر الشهر الماضي ان "الكثير من اليمنيين يخشون استمرار هذه الحرب الى ان يصل الارهاق بالجيش الى منتهاه. عندئذ من سيدافع عن بقية البلاد؟"