قال الكاتب الصحفي توفيق رباحي إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة واصل تقليم أجنحة الأجهزة الأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات بصدور مرسوم رئاسي (لم ينشر) يعد بمثابة شهادة وفاة «مديرية الاستعلامات والأمن» (المخابرات) واستبدالها بـ»مديرية المصالح الأمنية» التي تشمل فرعي الأمن الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى إدارة فنية.
وأضاف رباحي فى مقال بجريدة القدس العربي تحت عنوان "بوتفليقة يدفن المخابرات… الأسئلة التي لا مفر منها" أنه بحسب تقـارير وسائل إعـلام جزائرية، سيرأس الجـهاز الـجديد الجــنرال بشــير طـرطاق (برتبة وزير دولة مستشار)، وهو ذاته رئيس المخابرات خلفا للفريق محمد مدين منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، على أن يتبع الجهاز الجديد رئاسة الجمهورية وليس وزارة الدفاع كما كان الحال منذ سنوات طويلة وعلى الورق، الجزائر أصبحت دولة مدنية. في الواقع، هناك ما يدعو فعلا للخوف والقلق على هذا البلد.
وتابع : قبل هذا اليوم تغلغلت المخابرات الجزائرية في الحياة العامة للبلاد إلى أبعد الحدود. كان رئيسها السابق اللواء محمد مدين (المدعو توفيق) يوصف بأنه صانع الرؤساء، والحقيقة أن الجهاز ظل، منذ عقود طويلة صانع كل الناس: من رؤساء لجان الأحياء وأندية الكرة إلى رؤساء البلاد ظل الجزائريون يتباهون على بعضهم ويهدد بعضهم بعضا بالمخابرات.
مَن أراد قضاء حاجة أو معاملة في إدارة ما يتقدم بصفته ضابطا في المخابرات. ومَن أراد أن يرهب آخر أو يهدده في عركة بالطريق العام يدّعي أمامه بأنه عقيد في المخابرات وسطوة المخابرات الجزائرية أكثر بروزا وشملت حياة الناس العاديين على وجه الخصوص بعد وقف الانتخابات العامة في 1992 وسقوط البلاد في براثن حرب أهلية مقيتة، فأصبحت الحاكم الفعلي تسمو فوق القانون وفوق مؤسسات البلاد.
ورأى الكاتب أن الحقيقة أن ما وصلت إليه المخابرات الجزائرية من سطوة على المجتمع كان النتيجة الطبيعية لمسلسل طويل بدأ أثناء الثورة واستمر بعد الاستقلال وفي بداية سنة 1979 إثر وفاة الكولونيل هواري بومدين رئيس الدولة آنذاك اجتمع قادة البلاد العسكريون والمدنيون لاختيار رئيس، وعندما اختلفوا ضرب رئيس المخابرات آنذاك قاصدي مرباح الطاولة بقبضته وفرض الشاذلي بن جديد رئيسا كحل وسط بين المختلفين مضيفا :
لا بد من الاستعداد لحملة إعلامية تشيد بقرار حل جهاز المخابرات، وتهلل لدخول الجزائر عهد الدولة المدنية بعد خمسة عقود من هيمنة العسكر وزبانيتهم. سنفترض أن المهللين صادقون في فرحهم وتهليلهم، لكن قبل ذلك هناك أسئلة لا مفر منها:
وتساءل رباحي :
هل هناك ما يضمن أن الجهاز الجديد لن يرث نفس أساليب وطرق مديرية الاستعلامات والأمن؟ هل هناك ما يضمن أن بشير طرطاق لن يكون توفيق مدين آخر؟ هل هناك ما يضمن أن ما حدث هو سرقة جهاز المخابرات من مؤسسة الجيش ووضعه تحت تصرف زمرة غاضمة في الرئاسة؟ هل هناك ما يضمن أن بوتفليقة، المغرم بالسلطة وجمع الصلاحيات، لن يعبث بالجهاز الجديد ويجعله اشبه بملكية خاصة؟
هل هناك ما يضمن أن الأمر لا يتعدى مجرد توزيع جديد للأدوار وإقصاء أشخاص ليستلم أمكنتهم آخرون كانوا على قوائم الانتظار؟ هل هناك ما يضمن أن بوتفليقة فعل بجهاز المخابرات ما فعل لمجرد تلبية غرور ذاتي وتصفية حسابات شخصية، بعيدة في الزمن أو قريبة؟ هل هناك ما يضمن أن هذا الجهاز الجديد سيكون تحت الرقابة الشفافة لسلطة مدنية منتخبة وتمثيلية؟ هل هناك ما يضمن أنه سيخضع للمحاسبة والمساءلة ولا يكون فوق القانون وفوق المؤسسات؟
وذكر أن الجزائر اليوم أضعف من أي وقت مضى. قليلة التماسك والثقة داخليا، هشة اقتصاديا واجتماعيا، ومهددة إقليميا بأخطار أمنية عديدة وجدية تطوِّق شريطها الحدودي. وهذا وضع يتطلب أجهزة أمنية صلبة، مستقرة ومتمرسة على رأسها المخابرات، فكيف يأتي رئيس ويفكك مخابرات بلاده بينما تقوِّي البلدان الأخرى أجهزتها وتمنحها المزيد من الإمكانيات والصلاحيات؟
وأردف أن الجزائر كانت بحاجة إلى رئيس جريء ومقدام يحررها من نظام عسكري استخباراتي (بوتفليقة أحد مؤسسيه ورعاته) استولى عليها في غفلة من الناس في فجر الاستقلال، فلم ينتج منذئذ غير العقم والفشل وتكريس المظالم حتى أصبحت جزءا من يوميات الناس لا يتألمون لها ولا يتوقفون عندها