ابراهيم غرايبة
يمكن، وفي خلال 24 ساعة، أن تجفف الحكومة مصادر التطرف والكراهية، إذا توقفت هي (الحكومة) عن تطرفها الديني. ذلك أن أكثر من 90 % من مصادر التطرف الديني تقع في المؤسسات الدينية الرسمية، وفي التشريعات والقوانين المطبقة؛ وأن ثلاثة أرباع المتطرفين الدينيين ليسوا أعضاء في جماعات دينية متطرفة، ولا من مؤيدي الإسلام السياسي (الجماعات والأحزاب التي تعمل في السياسة على أساس برنامج إسلامي)، ولكنهم ينتمون إلى المجتمع، ويعملون في الوظائف العامة وفي القطاع الخاص. وهناك قطاعات رسمية يغلب عليها التشدد الديني، وليس ثمة أدنى فرق بينها وبين الجماعات المتطرفة في الأفكار والفهم وطريقة تفسير النصوص الدينية والدعوة إليها. ووفقاً لذلك، فإن كل ما يقال عن المواجهة الفكرية والأيديولوجية مع التطرف والكراهية، يذهب جميعه إلى غير أهدافه. بل سأغامر بالقول إننا ننفق على التطرف الديني من أموال دافعي الضرائب. ولو أوقف العمل الديني الرسمي، فإنه يمكن توفير 250 مليون دينار سنويا، وتجفيف منابع التطرف والكراهية.. ولن يتضرر الدين قيد أنملة.
ليست الدولة مكلفة، في الشريعة الإسلامية، بما تقوم به من دور ديني؛ لا التعليم الديني في المدارس والجامعات، ولا الدعوة والإمامة في المساجد، ولا المحاكم الشرعية ولا الإفتاء. وتفعل الحكومة خيرا إن توقفت عن هذا الدور الديني. فالعمل الديني؛ التعليم والممارسة والدعوة والإفتاء، يمكن أن يكون عملا مجتمعيا ينفق عليه الناس، ولا تحتاج الدولة سوى تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين والتنسيق والمراقبة، ويمكن أيضا مساعدة المجتمعات وتدريبها.
وليس ثمة ضرورة دينية أو قانونية للمحاكم الشرعية، فالمحاكم النظامية وقضاتها يمكن أن يطبقوا القانون، وهذا هو الأصل. وعلى العكس، فإن وجود المحاكم الشرعية يعني كأن المسلمين فئة خاصة في المجتمع، يطبق عليها قانون خاص مستقل عن قوانين الدولة، وأن هناك قانونا آخر للدولة في الأحوال الشخصية، وهذا مخالف للواقع والدستور. فقانون الأحوال الشخصية (على علاته الكثيرة) أقره مجلس الأمة، ويفترض أن يناط تطبيقه بالمجلس القضائي والمحاكم.
والعداء للفلسفة والموسيقى والفنون التشكيلية في التعليم والجامعات، يمارسه مسؤولون في الدولة غير متدينين، والمتدينون منهم لا علاقة لهم بالجماعات الإسلامية.
والمحتوى والتفسير المتشدد للنصوص والأفكار الدينية، تقوم عليه مناهج تعليمية رسمية في المدارس والجامعات والمساجد والقوانين والتشريعات، وليست الجماعات المتطرفة هي التي فرضته.
وكثير من المتطرفين الذين يقدمون التطرف الديني ويؤمنون به، هم موظفون رسميون في مؤسسات الدولة، يتقاضون رواتب ومكافآت من الموارد العامة، ومعظمهم ليسوا أعضاء في الجماعات الدينية. فهناك عشرات الآلاف من المتطرفين الدينيين في المساجد والمدارس ومؤسسات الدولة والجامعات، يمارسون التطرف الديني باعتباره وظيفتهم القانونية الرسمية المكلفين بها، والدولة تكافئهم من أموال دافعي الضرائب.
وفي قانون الأحوال الشخصية والإفتاء مواد ونصوص وتطبيقات مليئة بالكراهية والتمييز والشعور بالتميز (حتى لا نقول فاشية)، وانتهاك المساواة والمواطنة.
والحال أن التطرف الديني ظاهرة رسمية بامتياز، تمارسها وترعاها الحكومة، وتنفق عليها من الموارد العامة.
* عن "الغد" الاردنية