قال مصدر أمني سوري أن القيادة العسكرية في دمشق مستمرة في إرسال تعزيزات عسكرية إلى مدينة حلب استعداداً لما قال أنها المعركة الكبرى هناك في مواجهة مقاتلي الجيش الحر المسيطرين على عدد من أحياء المدنية في الشمال السوري.
التعزيزات المتوالية إلى حلب تابعة لمختلف الاختصاصات العسكرية أبرزها المشاة والمدفعية، وتتمركز قوات الجيش السوري حالياً بمعظمها في منطقتين رئيسيتين الأولى على اتستراد الحمدانية والثانية في مدرسة المشاة العسكرية الموجودة بحي النيرب.
وحسب آخر المعطيات التي حصلت عليها فإن القوات النظامية تستعد لمواجهة أكثر من خمسة آلاف مقاتل معارض في حلب معظمهم قدموا من الأرياف وانضم إليهم إيضاً مئات آخرون.
وحسب تلك المعطيات فإن هؤلاء المقاتلين باتوا حالياً ينتظمون في لوائين مقاتلين الأول تحت اسم "لواء التوحيد" الذي جرى تجميعه في إحدى القرى الحدودية في الشمال بالقرب من الأراضي التركية، والثاني هو "لواء الفتح" وهو لواء حديث العهد تشكل في اليومين الماضيين من عدة كتائب مسلحة.
المعطيات الميدانية تؤكد أن الجيش النظامي لم يتجه حتى الآن للتعاطي ميدانياً بطريقة حرب الشوارع التي يعتمدها مقاتلو الجيش الحر، ويستند على عمليات القصف الثقيل بالمدفعية لمواقع محددة تقول معلومات الجيش أن مسلحين يختبؤون فيها، لكن هؤلاء المسلحين يلجؤون إلى الملاجئ التي تتوفر في معظم الأبنية السكنية الحلبية وذلك عندما تبدأ قوات الجيش النظامي القصف المدفعي أو القصف بالدبابات، وبلجوء المقاتلين للملاجئ وبالتالي فإن معظم هذا القصف لا يلحق خسائر كبيرة في صفوف الجيش الحر.
المصدر الأمني قال ان تأخير في الدخول الجدي للجيش السوري إلى أحياء حلب مردّه بالدرجة الأولى الإعداد لدخول أرتال وسرايا من قوات النخبة التي سيوكل لها تنفيذ عمليات إنزال جوي واقتحامات في الشوارع، وكذلك تجنب إدخال آليات وعربات ستكون مكشوفة لمقاتلي الجيش الحر وفي مرمى نيرانهم.
المسلحون يقتربون من القلعة الأثرية
وعلى خط المواجهة في معركة السيطرة على مدينة حلب اصبحت القلعة القديمة قريبة المنال من أيدي قوات المعارضة السورية.
وبينما تزحف المعارضة نحو قلب اكبر المدن السورية يمكنها أن ترى على مرمى البصر الجدران الحجرية للحصن الذي بني قبل 800 عاما على تل تكسوه الاعشاب على بعد 200 متر فقط.
وقال احمد وهو شاب نحيل من مقاتلي المعارضة "يوما ما قريبا سنسير داخلها. سنصل إلى قلب المدينة". ويضع احمد يده فوق عينيه من ضوء الشمس وهو ينظر نحو القلعة -التي كانت يوما ما رمزا للقوة العسكرية للعرب وكانت مؤخرا مقصدا للسياح- بينما كان يقف في شرفة صدئة بشقة سكنية مهجورة.
ويقول احمد "في المساء عندما يصبح الجو لطيفا يبدأ القتال. يحلقون بطائرات الهليكوبتر ويستهدفوننا بنيران القناصة من القلعة. ونحن نتحصن في مواقعنا ونرد عليهم باطلاق النار".
ويقول مقاتلو المعارضة -الذين يقاتلون في الانتفاضة المستمرة منذ 17 شهرا ضد الرئيس السوري بشار الاسد-ان الاراضي التي سيطروا عليها تثبت انهم يتقدمون نحو قلب اكبر مدينة في سوريا.
ومن اعمق نقطة لهم داخل المدينة في حي باب الحديد يجوب مقاتلو المعارضة المسلحين الشوارع وهم يحملون السلاح ويغطون وجوههم بالكوفيات. وتسير السيارات مسرعة على الشوارع الرئيسية إلى الميدان مرورا بموقعين اقام فيها مقاتلو المعارضة متاريس من اكياس الرمل. ويختبئ مقاتلو المعارضة في الحواري حاملين قذائف صاروخية وبنادق.
ويقول احد هؤلاء المقاتلين "جنود النظام في مكان ما على هذا الطريق على بعد بضعة مئات من الامتار فقط". ويبدو هذا المقاتل هادئا لكنه أبدا لا يخفف قبضته على قاذفة الصواريخ المضادة للمدرعات التي يحملها على كتفه.
واغلق مقاتلو المعارضة الطرق المؤدية إلى ساحة باب الحديد بصناديق خشبية ومكاتب معدنية انزلوها إلى الشوارع. ومن هناك وعلى مسافة قصيرة يقع وسط المدينة التاريخي.
واصيبت البوابة الحجرية المؤدية الي الساحة -والتي نجت على مدار مئات السنين من الحكام المتعاقبين- بطلقات في القتال الجاري حاليا.
وفي حرارة الظهيرة لا يسمع في المدينة سوى اصوات السيارات العابرة والرجال الذين يتبادلون التحية في الشوارع. ويقول سكان ان اغلب النساء والاطفال فروا من المدينة.
وقال رجل مسن وهو يقف امام مخبزه -وهو واحد من متاجر قليلة لم تغلق في المدينة "الغريب حقا هو قلة القتال هنا. انا مندهش لأن النظام لم يأت إلى هذا المكان. انظر إلى اي مدى اقتربوا (مقاتلو المعارضة) من الرمز الرئيسي للمدينة".
وعلى الطريق الرئيسي نحو القلعة يقول مقاتلون معارضون انهم تقدموا ببطء لبضعة امتار في اليومين الماضيين. ويحدد المقاتلون نهاية ارضهم بحافلة حمراء محترقة عبر الطريق يرفرف فوقها علم الانتفاضة بألوانه الابيض والاخضر والاسود.
ونقشت على الحافلة عبارة باللون الاسود تقول "نحن الجيش السوري الحر".
ويقود محمد (23 عاما) الذي تبرز عضلاته بوضوح من قميصه الاسود مجموعة من المقاتلين المعارضين الشبان يحرسون موقعهم في الطرف الشمالي للمدينة.
ويقول ان قناصة الحكومة ليسوا بعيدين لكن الابتسامة العريضة على وجهه لا تتأثر مطلقا.
وقال "نحن نقف في نقطة الدفاع الاولى للثوار ولحلب المحررة. من هذه النقطة هنا - الساحة الرئيسية بالمدينة - توجد منطقة سعد الله الجابري على بعد حوالي 700 متر من هنا".
وتقع أغلب المصالح الحكومية في منطقة سعد الله الجابري مما يجعلها الهدف الاستراتيجي النهائي كما يقول ربما اكثر من القلعة الجميلة التي اعلنتها منظمة الامم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو) موقعا للتراث العالمي.
وقال محمد "بعون الله سنواصل التقدم نحوها في الايام القادمة وسنحررها من العدو".
ويؤكد مقاتلو المعارضة ان هجمات القوات الحكومية حتى بالمدفعية والدبابات لا يمكنها ان تجبرهم على التراجع.
وقال المقاتل محمد وهو يجمع شظايا صاروخ قال ان القوات الحكومية اطلقته على نقطة تفتيش يقف فيها رجاله "الطريقة الوحيدة التي يمكن ان يكونوا بها مؤثرين هي نشر قوات على الارض لكن رجالهم ليست لديهم الرغبة في خسائر كبيرة في الارواح.
"لذا فهم يقصفون فقط. ادخل إلى عمق المدينة فستجد المدينة القديمة عبارة عن شبكة من الحواري والازقة الصغيرة الملتوية".
ويقول بعض السكان انهم يشعرون بانهم محصورون في منطقة وسط المدينة الهادئة التي تنتظر الانفجار.
وهمس رجل مسن بلحية بيضاء "لدينا نظام يقصف وثوار في الشوارع ونحن المدنيون محصورون بينهما".
لكن مقاتلي المعارضة الذين يقاتلون قوات الاسد لأكثر من عام لا ينظرون إلا إلى الامام. وقال المقاتل محمد "قريبا سترانا في القلعة. ومن هناك سترى حلب الحرة".
