واصل الجيش التركي عملياته العسكرية في شمال العراق لليوم الثالث على التوالي، فيما هددت حكومة الإقليم بالمقاومة وهدد حزب العمال بنقل العمليات الى الداخل التركي.
العملية متواصلة
واصلت القوات التركية السبت هجومها على متمردي حزب العمال الكردستاني المتمركزين في شمال العراق وهي عملية اوقعت حتى الان نحو خمسين قتيلا بحسب الجيش التركي في حين هدد المتمردون الاكراد بشن هجمات انتقامية في المدن التركية.
ووصف وزير الخارجية التركي علي باباجان عملية التوغل التي انطلقت مساء الخميس بانها "ناجحة" وحرص على اعطاء تطمينات حيال طبيعة الهجوم وحجمه.
وقال ان "العملية المكللة بالنجاح جارية" مؤكدا على ان "الهدف الوحيد هو منظمة حزب العمال الكردستاني الارهابية. تركيا هي الداعم الأكبر لسلامة الأراضي العراقية ووحدة العراق السياسية".
واوقعت العملية 24 قتيلا تأكد سقوطهم في معسكر متمردي حزب العمال الكردستاني وربما نحو عشرين آخرين اثناء عمليات القصف التي سبقت التوغل كما أكدت هيئة الأركان التركية الجمعة.
واشار العسكريون ايضا الى جو الذعر الذي خيم على المتمردين وتحدثوا عن تأثير المفاجأة عليهم.
يذكر ان عمليات توغل الجيش التركي في شمال العراق وهي المنطقة التي يستخدمها المتمردون الاكراد كقاعدة خلفية لعملياتهم في تركيا تكررت في الثمانينات والتسعينات لكنها كانت تحصل في الغالب في فصل الربيع مع ذوبان الثلوج على المرتفعات.
وعلق الجيش التركي على العملية بالقول "ان الارهابيين تكبدوا بحسب المعلومات الأولية خسائر فادحة تحت وابل الأسلحة البعيدة المدى والضربات الجوية".
وأضاف "تفيد استخباراتنا ان قادة (حزب العمال الكردستاني) يحاولون الفرار من المنطقة والتراجع إلى الجنوب في حالة من الذعر".
وتواصلت معارك كثيفة وقصف مدفعي حتى وقت متأخر من ليل الجمعة السبت كما ذكر السبت مراسل لوكالة فرانس برس موجود في المنطقة.
واكد سكان في قطاعات هاكورك وسيدكان وهي مناطق عراقية على مقربة من الحدود التركية وقريبة من مدينة جوكورجا التركية انهم سمعوا تبادل كثيف لاطلاق نيران اسلحة رشاشة اضافة الى هدير طائرات قتالية ومروحيات.
واعلن مصدر عسكري كردي عراقي السبت ان مدفعية القوات التركية استهدفت اربع مناطق تابعة لناحية العمادية اقصى شمال العراق التي تضم معاقل لحزب العمال الكردستاني.
وقال المصدر في قوات الحدود الكردية العراقية لوكالة فرانس برس رافضا كشف هويته ان "القوات التركية قصفت مناطق بالو وزيو ونيرو وريكان التابعة لمنطقة العمادية" في محافظة دهوك.
واوضح ان "القصف بدأ قرابة السادسة صباحا (الرابعة فجرا ت.غ.) واستمر ساعتين رافقه تحليق مروحيات تركية في المناطق" ذاتها. ولم يشر المصدر الى سقوط ضحايا.
وبدأت العملية البرية مساء الخميس عند الساعة 19,00 (17,00 تغ) بعد ثماني ساعات من القصف المدفعي والغارات الجوية.
وسمع دوي قصف مدفعي كثيف حتى منتصف الليل (22,00 تغ) في قطاع بامرنه على بعد نحو 40 كلم الى الجنوب الغربي حيث يبقي الجيش التركي على قواعد صغيرة منذ التسعينات كما اشار بعض سكان المنطقة.
وتعتبر انقرة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية.
وهدد احمد دنيس مسؤول العلاقات الخارجية في حزب العمال الكردستاني السبت بنقل العمليات العسكرية الى المدن التركية. وقال لوكالة فرانس برس "اذا استمرت تركيا في هجماتها سنقوم بحرب عصابات داخل المدن التركية دون استهداف المدنيين".
وقتل جندي السبت في تركيا في انفجار لغم زرعه حزب العمال الكردستاني في محافظة بنغول (جنوب غرب) بعيدا عن الحدود العراقية كما ذكرت وكالة أنباء الأناضول.
وأعلن حزب العمال الكردستاني يوم السبت انه عثر على جثث 15 من 22 جنديا تركيا يقول إنهم قتلوا في اشتباكات منذ ان شنت تركيا هجومها ضدهم.
وقال متحدث باسم الحزب ان المتمردين بدأوا ايضا التخطيط لتنفيذ هجمات انتقامية فوق الأراضي التركية.
وقال دنيس لرويترز عبر الهاتف "قتل 22 جنديا تركيا ولدى جنودنا 15 جثة." مضيفا انهم سينشرون قريبا اسماء القتلى.
وقالت رئاسة اركان الجيش التركي في بيان على موقعها على الانترنت ان سبعة جنود اتراك فقط قتلوا منذ بدء الهجوم عبر الحدود في منطقة كردستان التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال العراق يوم الخميس.
وقال دنيس "الجيش التركي يستخدم كل أسلحته بما فيها المقاتلات وطائرات الهليكوبتر والمدفعية" وأضاف أن الاشتباكات مستمرة.
وأضاف "نستخدم أسلوب حرب عصابات. نزرع ألغاما ونخطط لنصب أكمنة على الجانب التركي من الحدود."
ورفض الكشف عن عدد القتلى في صفوف حزب العمال الكردستاني.
وقال البيان الصادر عن الجيش التركي ان قواته قتلت حتى الآن 79 من متمردي حزب العمال الكردستاني.
والتأكد من صحة المعلومات المتعلقة بعدد القتلى مسألة صعبة اذ يدور القتال في منطقة جبلية يصعب الوصول إليها.
وقال الحزب ايضا، انه أسقط طائرة هليكوبتر هجومية تركية من طراز كوبرا خلال اشتباكات في شمال العراق يوم السبت.
وأضاف دنيس لرويترز " أمس أسقط مقاتلونا طائرة هليكوبتر من طراز كوبرا."
وتقدر انقرة عدد المتمردين الأكراد المتحصنين في جبال كردستان العراق بنحو اربعة آلاف مقاتل.
واسفر النزاع المستمر منذ 1984 بين الانفصاليين وانقرة عن اكثر من 37 الف قتيل.
تصريحات وردود فعل...
وأعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان "ان هدف وحجم وابعاد هذه العملية محدودة". واضاف "ان قواتنا المسلحة ستعود (الى الاراضي التركية) في اسرع وقت ممكن فور تحقيق اهدافها".
وسمح البرلمان التركي في تشرين الاول/اكتوبر للحكومة بارسال قوات الى شمال العراق لمقاتلة عناصر حزب العمال الكردستاني. وقد شن الجيش حتى الان بمساعدة اجهزة الاستخبارات الاميركية عددا من الغارات الجوية وعملية برية محدودة في المنطقة منذ 16 كانون الاول/ديسمبر.
وراى وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري الجمعة ان "المئات وليس الالاف" من الجنود الاتراك شاركوا في العملية الجارية على حد رأيه في منطقة "نائية ومعزولة". وقال "لا نعتقد ان ما يجري عملية واسعة".
من جهته اعرب الامين العام للامم المتحدة بان كي مون عن "قلقه" من ارتفاع حدة التوتر ودعا الى الاعتدال.
ووجهت عواصم غربية عدة دعوات مماثلة بينما دعت الولايات المتحدة التي تبلغت مسبقا بعملية التسلل التركي "الحكومة التركية الى جعل عملياتها محدودة واستهداف حزب العمال الكردستاني بشكل محدد والحد من نطاق عملياتها الجغرافي والزمني وبحثها على التعاون مع العراقيين بمن فيهم المسؤولين الحكوميين الاكراد".
حكومة الاقليم تهدد
وهددت حكومة اقليم كردستان العراق السبت تركيا بانها ستلجأ الى "مقاومة شاملة" ضد القوات التركية اذا وقع "اعتداء على اي مواطن في اقليم كردستان او المناطق المأهولة".
في هذا الوقت حاولت الحكومة العراقية المركزية طمأنة الاسواق النفطية باعلانها ان العراق يواصل "بشكل طبيعي" تصدير نحو 300 الف برميل يوميا من نفطه عبر ميناء جيهان التركي.
وافادت حكومة كردستان العراق في بيان ان "اوامر صدرت باللجوء الى مقاومة شاملة ضد القوات التركية وقد اتخذت كل الاستعدادات بهذا الشأن" اذا وقع "اي اعتداء على اي مواطن في اقليم كردستان او المناطق المأهولة".
واكد البيان ان "مسعود بارزاني رئيس اقليم كردستان قام بزيارة محافظة دهوك يومي الخميس والجمعة واجتمع مع مسؤولين امنيين واداريين في المنطقة واطلع على سير الاوضاع في المناطق الحدودية وبحث المستجدات الناجمة عن الاعتداءات التركية على اراضي الاقليم".
وشددت حكومة كردستان العراق على ان "اقليم كردستان لن يكون طرفا في القتال بين تركيا وحزب العمال الكردستاني".
وابدت شكوكها "في النيات الحقيقية للقوات التركية" ورأت ان "هدفها اقليم كردستان وليس حزب العمال والا فما علاقة تدمير جسور حيوية يستخدمها المواطنون في حياتهم اليومية داخل عمق المناطق المأهولة بحزب العمال؟".
ويشار الى ان هذه الجسور تبعد حوالى 40 كلم شمال العمادية اقصى شمال العراق على الحدود مع تركيا.
وكان فلاح مصطفى مسؤول العلاقات الخارجية في مجلس وزراء حكومة الاقليم قال لوكالة فرانس برس السبت "نطالب بالانسحاب الفوري من اراضي اقليم كردستان العراق. المشكلة لن تحل بالطرق العسكرية وانما السلمية" مؤكدا ان "حكومة الاقليم تدين هذه العمليات العسكرية والقصف الجوي الذي طال البنى التحتية للاقليم".
وحمل المسؤول الكردي "الحكومة الاميركية مسؤولية الاجتياح التركي (...) لانه لولاها لما استطاعت تركيا ان تسمح لنفسها بانتهاك السيادة العراقية برا وجوا".
وكان سكوت ستانزل الناطق باسم البيت الابيض قال "تبلغنا العملية ودعونا الحكومة التركية الى استهداف حزب العمال الكردستاني في شكل محدد وفي نطاق عملياتها الجغرافي والزمني والتعاون مع العراقيين بمن فيهم المسؤولون الحكوميون الاكراد".
وشدد مصطفى على ان "حكومة الاقليم لا تدعم حزب العمال الكردستاني وقد اتخذت اجراءات عدة للحد من نشاطاته في اراضيها".
واذ رفض ان يتعرض الاقليم لمخاطر تلك العمليات اكد "اننا لا نريد ان يتضرر شعب الاقليم وان يدفع ثمن مشكلة لم يكن طرفا فيها".
كذلك دعا مسؤول العلاقات الخارجية في حكومة الاقليم الى "حوار مباشر بين انقرة وواشنطن واربيل لحل هذه المسألة".
بدوره دان برلمان كردستان العراق السبت "بشدة هذه الاعمال اللانسانية" مؤكدا ان "تركيا تقوم عبر ذرائع لا اساس لها بقصف عشوائي لهذه المناطق".
واضاف ان "حجتها لهذه العمليات العسكرية غير صحيحة والصحيح ان تركيا تخشى التجربة الديموقراطية وحرية التعبير ولا تقبل نجاحها في اقليم كردستان هذا الاقليم الذي تحترم فيه حقوق القوميات كافة".
من جهته هدد حزب العمال الكردستاني بنقل العمليات العسكرية الى المدن التركية "من دون استهداف المدنيين" اذا استمرت تركيا في عمليتها العسكرية البرية.
وقال دنيس مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب لفرانس برس "اذا استمرت تركيا في هجماتها فسنقوم بحرب عصابات داخل المدن التركية من دون استهداف المدنيين".
في المقابل اعلن الناطق باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد ان "صادرات النفط العراقي عبر ميناء جيهان التركي تتدفق بشكل طبيعي وليس للعمليات العسكرية اي تأثير عليها" لافتا الى تصدير مليون و600 الف برميل عبر ميناء البصرة (جنوب) اضافة الى 300 الف برميل عبر ميناء جيهان التركي.
وفي لندن اعتبر متعاملون ان اسعار النفط عادت الى الارتفاع مجددا واقترب سعر البرميل الجمعة من 99 دولارا في نيويورك وذلك في رد فعل على توغل القوات التركية في شمال العراق ما يؤكد القلق بشأن الامدادات.
وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي دعا في اتصال هاتفي مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان الى "ضرورة احترام وحدة وسيادة العراق وحرمة اراضيه (...) وضرورة ان تتجنب تركيا الحلول العسكرية".
وتعتبر انقرة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حزب العمال الكردستاني منظمة ارهابية. واسفر النزاع المسلح بين المنظمة الكردية التركية والسلطات في تركيا عن سقوط 37 الف قتيل منذ 1984.
ودعا دنيس الى "حل القضية بطريقة سلمية" مضيفا "ان الاتراك هم الذين يرفضون الحوار".
وتابع ان "هدف تركيا ليس ضرب حزب العمال فقط بل لديها مطامع سياسية واقتصادية اخرى في اقليم كردستان والعراق" على حد قوله.