قضايا التحرر الوطني ضد المستعمر الأجنبي، طويلة ومعقدة، وتحتاج إلى النفس الطويل، والإيمان بأنه قد تنقضي أجيال بعد أجيال دون أن يتم حل هذا القضايا، حتى يتعب المستعمر ويستسلم ويعلم أن تكلفة احتلاله عالية ولن يستطيع أن يتحملها.
والمواطن الذي ينخرط في صفوف النضال الوطني ضد الاحتلال الذي يحتل بلاده، عليه أن يوقن بأن دوره هو النضال والاستمرار في النضال حتى نهاية حياته. هكذا علمنا التاريخ، وهكذا علمتنا تجارب وخبرات الشعوب.
والقضية الفلسطينية ليست بدعًا من هذه القضايا، هي قضية تحرر وطني من أخطر أنواع الاحتلال، فهو ليس احتلالاً عسكريًا واقتصاديًا فقط، وإنما هو احتلال إحلالي، أي يريد أن يفرغ الأرض من أهلها الفلسطينيين ليحل بدلاً منهم اليهود الصهاينة أصحاب الفكر الصهيوني والمتمسكون بالوطن القومي على حساب الشعب الفلسطيني.
وأصعب وأشد نقطة في هذه القضية، ليست في قطعان اليهود الصهاينة الذين يحتلون فلسطين، ولكن في الدعم الأوروبي والأمريكي اللامحدود لهذا الاحتلال، وتوفير الغطاء السياسي والعسكري والمالي والإعلامي له، وضمان أن يكون متفوقًا على جيوش الدول العربية مجتمعة.
القضية هكذا معقدة وصعبة، ولكن علمتنا الخبرة التاريخية أن ما من قضية نضال وطني كانت سهلة، المهم هو الرؤية والعزيمة وقوة الإرادة والمرتكزات الصلبة لدى الشعب المقاوم، وعدم تسرب اليأس إلى نفوس هذا الشعب، مهما مرت السنون بل عشرات السنين.
وإذا كانت "حركة فتح" هي الحركة الأم والأساسية في النضال الفلسطيني، التي تأسست لمقاومة الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني، وإذا كانت هذه الحركة قد قدمت خلال فترة ليست بالقصيرة تضحيات كبيرة وقدمت آلاف الشهداء، فإن مشكلتها أن قادتها في يوم من الأيام قد خارت قواهم وانقطعت أنفاسهم ولم تعد لديهم القوة والعزيمة لاستكمال النضال، فتعبوا من الهزائم المتتالية التي أصابت صفوفهم وتشريدهم من بلد إلى بلد، ونسوا إن الأمر في الأول وفي الآخر جهاد، وأن الأمر ليس إلا ضريبة تدفع، وليس المهم تحقيق الانتصار في كل مواجهة، بل المهم والأهم هو إيجاع العدو باستمرار وعدم التسليم له.
لكن كانت خطيئة "حركة فتح" هي أنها منذ أن دخلت ما يسمى بالتسوية السلمية ضمن اتفاقيات "أوسلو" عام 1993م، فإنها لم تتوقف لحظة لمراجعة خطواتها، ولكنها تسابق نفسها في طريق الهزيمة والاستسلام.
وقبل عام 1993م بسنوات قليلة، شاء الله أن تولد حركة مقاومة وتحرر وطني جديدة على أرض فلسطين، هي "حركة حماس"، ترفض السير في طريق التسوية السلمية، واختارت المقاومة والنضال الوطني وإيجاع العدو الصهيوني كخيار وحيد لها، وأبلت هذه الحركة بلاءً حسنًا وحصلت على تأييد واسع في الشارع الفلسطيني.
لكن الخطيئة الأكبر التي ارتكبتها "حركة فتح" هي أنها لم تترك "حركة حماس" في حالها، بل ذمتها ووصفتها بكل الأوصاف السلبية، وتعاونت مع المحتل الصهيوني ضدها، وأبلغت عن شبابها في الضفة الغربية وغزة، مما تسبب في استشهادهم أو اعتقالهم.
وهكذا ولد مع "اتفاقيات أوسلو 1993م" ما يسمى بـ"التنسيق الأمني"، وهو أن تدخل السلطة الفلسطينية مع العدو الصهيوني في تعاون أمني كامل وتنسيق يصل إلى حد تنفيذ عمليات مشتركة. ومؤخرًا كشف الجنرال جادي شماني، القائد السابق للمنطقة الوسطى في الجيش الصهيوني، النقاب عن أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية تزود الجيش والمخابرات الإسرائيلية بالمعلومات الاستخبارية اللازمة لمواجهة عمليات المقاومة وخلاياها، وقال إن نقل المعلومات الاستخبارية يعد أهم أنماط التعاون الأمني بين الكيان والسلطة الفلسطينية؛ مشيرًا إلى أن هناك الكثير من صور التعاون الأمني رافضًا الكشف عنه طابعها.
وفي مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى ليلة الثلاثاء (11 يناير 2016م) نوه شماني، الذي كان بحكم منصبه في تواصل مباشر مع قادة الأجهزة الأمنية، إن التعاون الذي أبدته الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة كان له دور بارز في تحسين الأوضاع الأمنية.
ومن الكبائر الوطنية التي ارتكبتها "حركة فتح" هي أن تترك السيد محمود عباس يقودها من فشل إلى فشل ومن استسلام إلى استسلام، فهو يعتبر أن الحديث عن وقف التنسيق الأمني يأتي في إطار المزايدات الرخيصة؛ حيث قال: "عندما يكون لدينا أمن؛ فإن هذا لمصلحتنا؛ والتنسيق الأمني ليس لطرف واحد؛ ولكن أيضا للأرض الفلسطينية؛ ونحن حريصون على التنسيق الأمني؛ لأننا نريد أمن المواطن الفلسطيني؛ وبالتالي فإن ما يقال بهذا الشأن هو برأيي مزايدات رخيصة".
ويتغافل عباس عن أن "التنسيق الأمني" هو المعيار والمؤشر الذي يقيس العدو من خلاله، مدى التزام السلطة الفلسطينية بالاتفاقيَّات الموقعة معه، وللأسف فإنه بموجب هذا التنسيق الأمني وُضِعَت جميع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في خدمة وفي المصلحة الأمنية للعدو الصهيوني، على حساب أفراد المقاومة الفلسطينية؛ ونشطاء الأحزاب السياسية المعارضة لمسيرة التسوية؛ أو حتى القيادات الأمنية؛ إذا حاولوا الوقوف على الحياد؛ والقيام بما يُعَدْ في إطار التنسيق الأمني "مساسا بأمن الكيان الصهيوني"، وقد عَبَّر محمود عباس عن ذلك، حين قال في اجتماع مع رئيس الوزراء الصهيوني السابق أرييل شارون إن: "كل رصاصة تُوجَّه ضد [إسرائيل]؛ هي رصاصة مُوجَّهة ضد الفلسطينيين أيضًا".
وبعد سيطرة "حركة حماس" على قطاع غزة؛ أصبح التنسيق لا يتم وفقًا لاتفاقيات أوسلو؛ بل بدافع آخر؛ هو الرغبة في الانتقام من "حماس". وتطوَّر الأمر إلى التعاون في عمليات الاعتقال؛ وإغلاق المؤسَّسات؛ والجمعيات؛ ومراقبة الأرصدة البنكيَّة؛ إلى جانب كل ما يُمثِّل تضييقًا على جميع حركات المقاومة في الضفة الغربية؛ خاصةً "حركة حماس"؛ وبذلك تحول التنسيق الأمني إلى شراكة حقيقية مع العدو الصهيوني.
ومما يؤسف له أن يعتبر رئيس "حركة فتح" ورئيس السلطة الفلسطينية، "التنسيق الأمني" مع سلطات الاحتلال، من مصلحة الفلسطينيين، وضروري لحمايتهم من أي انتفاضة جديدة، مضيفًا أنه لن يسمح بالعودة إلى انتفاضة تدمر الشعب، على حد وصفه، فهو يرى أن "الانتفاضة الثانية التي اندلعت في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات كانت دمارا على الفلسطينيين".
فهل أصبحت مقاومة المحتل، الذي يقتل الفلسطينيين صباح مساء ويهدم منازلهم ويعتقل أبناءهم ويسرق خيراتهم، هل أصبحت هذه المقاومة دمارًا على الشعب الفلسطيني؟ أم إن "التنسيق الأمني" مع الاحتلال هو الذي يعتبر خيانة عظمى؟ واعتقالات عناصر المقاومة في الضفة ليس هدفها إلا معاونة الاحتلال في الكشف عن المجاهدين؟ والأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تقوم بذلك إنما هي جزء من الأجهزة الأمنية الصهيونية؟
إن غالبية الفلسطينيين يرون أن "التنسيق الأمني" جريمة كبيرة بحق الشعب الفلسطيني، وخيانة عظمى للوطن والمواطنين، وليس هناك معنى لما تردده السلطة الفلسطينية محاولة التقليل من شأنه ووصفه بأنه مؤقت ولغاية التوصل إلى حل نهائي مع الصهاينة.
د. ليلى بيومي
قضايا التحرر الوطني ضد المستعمر الأجنبي، طويلة ومعقدة، وتحتاج إلى النفس الطويل، والإيمان بأنه قد تنقضي أجيال بعد أجيال دون أن يتم حل هذا القضايا، حتى يتعب المستعمر ويستسلم ويعلم أن تكلفة احتلاله عالية ولن يستطيع أن يتحملها.
والمواطن الذي ينخرط في صفوف النضال الوطني ضد الاحتلال الذي يحتل بلاده، عليه أن يوقن بأن دوره هو النضال والاستمرار في النضال حتى نهاية حياته. هكذا علمنا التاريخ، وهكذا علمتنا تجارب وخبرات الشعوب.
والقضية الفلسطينية ليست بدعًا من هذه القضايا، هي قضية تحرر وطني من أخطر أنواع الاحتلال، فهو ليس احتلالاً عسكريًا واقتصاديًا فقط، وإنما هو احتلال إحلالي، أي يريد أن يفرغ الأرض من أهلها الفلسطينيين ليحل بدلاً منهم اليهود الصهاينة أصحاب الفكر الصهيوني والمتمسكون بالوطن القومي على حساب الشعب الفلسطيني.
وأصعب وأشد نقطة في هذه القضية، ليست في قطعان اليهود الصهاينة الذين يحتلون فلسطين، ولكن في الدعم الأوروبي والأمريكي اللامحدود لهذا الاحتلال، وتوفير الغطاء السياسي والعسكري والمالي والإعلامي له، وضمان أن يكون متفوقًا على جيوش الدول العربية مجتمعة.
القضية هكذا معقدة وصعبة، ولكن علمتنا الخبرة التاريخية أن ما من قضية نضال وطني كانت سهلة، المهم هو الرؤية والعزيمة وقوة الإرادة والمرتكزات الصلبة لدى الشعب المقاوم، وعدم تسرب اليأس إلى نفوس هذا الشعب، مهما مرت السنون بل عشرات السنين.
وإذا كانت "حركة فتح" هي الحركة الأم والأساسية في النضال الفلسطيني، التي تأسست لمقاومة الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني، وإذا كانت هذه الحركة قد قدمت خلال فترة ليست بالقصيرة تضحيات كبيرة وقدمت آلاف الشهداء، فإن مشكلتها أن قادتها في يوم من الأيام قد خارت قواهم وانقطعت أنفاسهم ولم تعد لديهم القوة والعزيمة لاستكمال النضال، فتعبوا من الهزائم المتتالية التي أصابت صفوفهم وتشريدهم من بلد إلى بلد، ونسوا إن الأمر في الأول وفي الآخر جهاد، وأن الأمر ليس إلا ضريبة تدفع، وليس المهم تحقيق الانتصار في كل مواجهة، بل المهم والأهم هو إيجاع العدو باستمرار وعدم التسليم له.
لكن كانت خطيئة "حركة فتح" هي أنها منذ أن دخلت ما يسمى بالتسوية السلمية ضمن اتفاقيات "أوسلو" عام 1993م، فإنها لم تتوقف لحظة لمراجعة خطواتها، ولكنها تسابق نفسها في طريق الهزيمة والاستسلام.
وقبل عام 1993م بسنوات قليلة، شاء الله أن تولد حركة مقاومة وتحرر وطني جديدة على أرض فلسطين، هي "حركة حماس"، ترفض السير في طريق التسوية السلمية، واختارت المقاومة والنضال الوطني وإيجاع العدو الصهيوني كخيار وحيد لها، وأبلت هذه الحركة بلاءً حسنًا وحصلت على تأييد واسع في الشارع الفلسطيني.
لكن الخطيئة الأكبر التي ارتكبتها "حركة فتح" هي أنها لم تترك "حركة حماس" في حالها، بل ذمتها ووصفتها بكل الأوصاف السلبية، وتعاونت مع المحتل الصهيوني ضدها، وأبلغت عن شبابها في الضفة الغربية وغزة، مما تسبب في استشهادهم أو اعتقالهم.
وهكذا ولد مع "اتفاقيات أوسلو 1993م" ما يسمى بـ"التنسيق الأمني"، وهو أن تدخل السلطة الفلسطينية مع العدو الصهيوني في تعاون أمني كامل وتنسيق يصل إلى حد تنفيذ عمليات مشتركة. ومؤخرًا كشف الجنرال جادي شماني، القائد السابق للمنطقة الوسطى في الجيش الصهيوني، النقاب عن أن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية تزود الجيش والمخابرات الإسرائيلية بالمعلومات الاستخبارية اللازمة لمواجهة عمليات المقاومة وخلاياها، وقال إن نقل المعلومات الاستخبارية يعد أهم أنماط التعاون الأمني بين الكيان والسلطة الفلسطينية؛ مشيرًا إلى أن هناك الكثير من صور التعاون الأمني رافضًا الكشف عنه طابعها.
وفي مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى ليلة الثلاثاء (11 يناير 2016م) نوه شماني، الذي كان بحكم منصبه في تواصل مباشر مع قادة الأجهزة الأمنية، إن التعاون الذي أبدته الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة كان له دور بارز في تحسين الأوضاع الأمنية.
ومن الكبائر الوطنية التي ارتكبتها "حركة فتح" هي أن تترك السيد محمود عباس يقودها من فشل إلى فشل ومن استسلام إلى استسلام، فهو يعتبر أن الحديث عن وقف التنسيق الأمني يأتي في إطار المزايدات الرخيصة؛ حيث قال: "عندما يكون لدينا أمن؛ فإن هذا لمصلحتنا؛ والتنسيق الأمني ليس لطرف واحد؛ ولكن أيضا للأرض الفلسطينية؛ ونحن حريصون على التنسيق الأمني؛ لأننا نريد أمن المواطن الفلسطيني؛ وبالتالي فإن ما يقال بهذا الشأن هو برأيي مزايدات رخيصة".
ويتغافل عباس عن أن "التنسيق الأمني" هو المعيار والمؤشر الذي يقيس العدو من خلاله، مدى التزام السلطة الفلسطينية بالاتفاقيَّات الموقعة معه، وللأسف فإنه بموجب هذا التنسيق الأمني وُضِعَت جميع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في خدمة وفي المصلحة الأمنية للعدو الصهيوني، على حساب أفراد المقاومة الفلسطينية؛ ونشطاء الأحزاب السياسية المعارضة لمسيرة التسوية؛ أو حتى القيادات الأمنية؛ إذا حاولوا الوقوف على الحياد؛ والقيام بما يُعَدْ في إطار التنسيق الأمني "مساسا بأمن الكيان الصهيوني"، وقد عَبَّر محمود عباس عن ذلك، حين قال في اجتماع مع رئيس الوزراء الصهيوني السابق أرييل شارون إن: "كل رصاصة تُوجَّه ضد [إسرائيل]؛ هي رصاصة مُوجَّهة ضد الفلسطينيين أيضًا".
وبعد سيطرة "حركة حماس" على قطاع غزة؛ أصبح التنسيق لا يتم وفقًا لاتفاقيات أوسلو؛ بل بدافع آخر؛ هو الرغبة في الانتقام من "حماس". وتطوَّر الأمر إلى التعاون في عمليات الاعتقال؛ وإغلاق المؤسَّسات؛ والجمعيات؛ ومراقبة الأرصدة البنكيَّة؛ إلى جانب كل ما يُمثِّل تضييقًا على جميع حركات المقاومة في الضفة الغربية؛ خاصةً "حركة حماس"؛ وبذلك تحول التنسيق الأمني إلى شراكة حقيقية مع العدو الصهيوني.
ومما يؤسف له أن يعتبر رئيس "حركة فتح" ورئيس السلطة الفلسطينية، "التنسيق الأمني" مع سلطات الاحتلال، من مصلحة الفلسطينيين، وضروري لحمايتهم من أي انتفاضة جديدة، مضيفًا أنه لن يسمح بالعودة إلى انتفاضة تدمر الشعب، على حد وصفه، فهو يرى أن "الانتفاضة الثانية التي اندلعت في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات كانت دمارا على الفلسطينيين".
فهل أصبحت مقاومة المحتل، الذي يقتل الفلسطينيين صباح مساء ويهدم منازلهم ويعتقل أبناءهم ويسرق خيراتهم، هل أصبحت هذه المقاومة دمارًا على الشعب الفلسطيني؟ أم إن "التنسيق الأمني" مع الاحتلال هو الذي يعتبر خيانة عظمى؟ واعتقالات عناصر المقاومة في الضفة ليس هدفها إلا معاونة الاحتلال في الكشف عن المجاهدين؟ والأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تقوم بذلك إنما هي جزء من الأجهزة الأمنية الصهيونية؟
إن غالبية الفلسطينيين يرون أن "التنسيق الأمني" جريمة كبيرة بحق الشعب الفلسطيني، وخيانة عظمى للوطن والمواطنين، وليس هناك معنى لما تردده السلطة الفلسطينية محاولة التقليل من شأنه ووصفه بأنه مؤقت ولغاية التوصل إلى حل نهائي مع الصهاينة.
د. ليلى بيومي
