البطالة في الأردن: خطط جديدة لمشكلة قديمة

تاريخ النشر: 27 سبتمبر 2006 - 11:48 GMT

غالب حجازي وفادي حدادين*

بعدد سكان يصل إلى 5.4 مليون نسمة وبتنامي مستمر، يواجه الأردن قيوداً متزايدة تفرضها عليه موارده الطبيعية المحدودة، بما في ذلك افتقاره إلى النفط، مما يؤدي إلى اعتماد الحكومة الأردنية بصورة متزايدة على الضرائب لزيادة العوائد. وفي حين أظهر الاقتصاد الأردني مرونة إزاء التوترات الإقليمية المتصاعدة بمتوسط ناتج محلي إجمالي يبلغ 5.7 بالمائة في العامين 2003 و2004، فإنه لم تتم ترجمة هذا النمو بزيادة تناسبية في فرص العمل (البنك الدولي 2006). وعلى مر السنوات الخمس الأخيرة، تأرجحت البطالة عند معدل يقارب 15% (دائرة الإحصاءات 2006). وفي محاولاتها لمعالجة البطالة، تعج الحكومة الأردنية بالاستراتيجيات وجداول الأعمال والسياسات العامة التي ورثتها عن الحكومات السابقة. حيث تخرج اجتماعات الطاولة المستديرة الرسمية بالعديد من التوصيات لخيارات "الإصلاح" التي تزيد من تدخل الحكومة في سوق العمل وتساعد أكثر المجموعات السكانية تأثراً.

لقد تبنت الحكومات الأردنية في العقد المنصرم برامج تثبيت اقتصادي في استجابتها للصعوبات الاقتصادية المتزايدة. لكن لم تكن نتائج هذه التدابير حاسمة (البنك الدولي 2004). علاوةً على ذلك، اكتسب نظام إدارة الاقتصاد الأردني، والذي يعتبر إصلاحات سوق العمل مكوناً رئيسياً، خصائص مميزة وترتيبات مؤسساتية ذات خاصية أساسية واحدة: الاعتماد على التخطيط المركزي في تحديد الأولويات الاقتصادية.

بعد مرور عقد على برامج صندوق النقد الدولي في نهاية العام 2003، والتي هدفت إلى إنشاء إطار عمل متين خاص بالموازنة والسياسة النقدية للنمو الذي يقوده القطاع الخاص، بدأت الحكومة الأردنية العمل على خطة إصلاح وطنية من ثلاث سنوات—خطة التحول الاجتماعي والاقتصادي. تهدف هذه الخطة إلى رفع النمو الاقتصادي وتعزيز ايجاد فرص العمل عن طريق تسريع برنامج الإصلاح متعدد الجوانب. وبالتحديد، فإنها تسعى إلى:

 خفض نسبة الفقر والبطالة والتخلص من الاختلالات في سوق العمل؛

 تعزيز الحاكمية في القطاع العام؛

 معالجة قضايا إدارة الموارد (وبالتحديد المياه)؛

 التقليل من الاعتماد على المعونات الخارجية؛

 تعزيز التنمية البشرية.

لقد كانت خطة التحول الاجتماعي والاقتصادي طموحةً، فبالإضافة إلى معالجتها الاختلالات في سوق العمل، على سبيل المثال، اتسعت قائمة الإصلاح لتشمل استكمال الأعمال غير المنجزة التي كانت مدرجة في برامج صندوق النقد الدولي، مثل تطبيق سياسات الإقتصاد الكلي السليمة. فقد تمت دراسة عدد من التدابير في برامج صندوق النقد الدولي، مثل:

 إصلاح النظام التشريعي (محاولة تحقيق الإستقلالية التشريعية عن العملية السياسية) وكذلك نظامي التقاعد والضرائب؛

 تقليص العجز في الموازنة؛

 خفض المديونية العامة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.

ومع ذلك، وعلى الرغم من كافة هذه الخطط، فقد ظلت البطالة في الأردن ثابتةً عند معدل يقارب 15%.

وبمبادرة غير مسبوقة في بلد يعاني من معدلات بطالة عالية، أعلن المدير العام لمؤسسة الضمان الإجتماعي الأردنية في كانون الثاني من عام 2006 بأن المؤسسة التي تديرها الحكومة "في خططها للعب دورها الاقتصادي" ستعمل على تبني خطة التأمين ضد البطالة (جريدة الرأي 2006).

لا يشكل إعلان المدير العام إلا إستمراراً للغموض الذي يكتنف دور الدولة المتنامي. فلم يقم المدير العام لمؤسسة الضمان الاجتماعي بتوضيح كيفية تمويل الصندوق المركزي وما هي فترة الإستفادة وإذا ما كان يعتمد على الدخل أو الاشتراكات. ولكن ما هو مؤكد أنه سيعمل على تقليص الحرية الإقتصادية في الأردن الأمر الذي يُؤسَف له. لقد برزت الحرية الاقتصادية كمحرك قوي للنمو والاستثمار وهذا بالضبط ما يحتاجه الأردن لحل مشاكل البطالة قديمة العهد لديه.

ستعمل خطة التأمين ضد البطالة على الحد من الحرية الاقتصادية في العديد من الجوانب. وستزيد من حجم الحكومة والضرائب عن طريق التحويل الفعلي للملكية من الأشخاص الذين اكتسبوها إلى أولئك الذين لم يقوموا بذلك، ولكن غالباً ما يشكلون جزءاً من المجموعات المتنفذة سياسياً. وسيزيد الأمر سوءاً أثر البرنامج على الحرية الاقتصادية في سوق العمل. وكما سيتم نقاشه فيما يلي، سيقلل البرنامج من حوافز اتفاقيات التوظيف الاختياري بين العمال وأصحاب العمل عن طريق تقديم دخل بديل لغير العاملين، فالعمل بحد ذاته يشكل أعظم برنامج تدريبي في العالم وبالتالي فإنه مبدع فعال لفرص العمل الجديدة.

ومن البديهي أن هذا البرنامج سيعمل على استكمال القائمة الناقصة والعاجزة للبرامج الحكومية التي تهدف إلى معالجة البطالة. فأولاً، حيث أنه برنامج تديره الدولة، فإن القوى الاقتصادية والسياسية المحركة تجعله غير ذي فاعلية. وقد أظهرت الدراسات أن الحكومات وأصحاب العمل والعمال "يسيّرون النظام"، بمعنى آخر، يتحكمون في عروض ودورات العمل للحصول على أكبر كم ممكن من المعونة المالية من النظام (كروجر 2001). ولدى الحكومات، بدورها، الحافز لوضع نظام يصب في مصلحة الأقوى سياسياً بدلاً من أولئك المحتاجين. ثانياً، فإن التجربة النظرية والعملية لمنافع معونة البطالة، حتى في البلدان المتطورة، هي تجربة غير واعدة. علاوةً على ذلك، فإن لمنافع معونة البطالة أثراً تشويهياً حيث تشجع الناس للتوجه نحو الحصول على وقت فراغ أكبر وعمل أقل (كروجر 2001).

من الواضح أن هذا الأمر يمثل مشكلة في برامج الرفاه الاجتماعي عموماً، ويمثل مشكلة في التأمين ضد البطالة على نحو خاص. تكمن المشكلة في إيجاد الحوافز المناسبة لدفع الناس نحو سوق العمل. ولا يحظى السكان في الأردن حالياً بأسعار منخفضة أو إنتاجية عالية. وفي حال أراد صناع السياسة في الأردن وجود اقتصاد ديناميكي، فإنهم بحاجة إلى إيلاء اهتمام خاص إلى قانون العواقب غير المتوقعة والذي يميز أي نوع من التدخل الحكومي في ميدان سوق العمل. وليس هذا بالمفهوم الجديد. وكما يقول فريدريك باستيا "في المناخ الاقتصادي، فإن أي فعل أو عادة أو إجراء قانوني لا يترك أثراً واحداً بل سلسلة من التأثيرات". ويظهر أولها لوحده بشكل فوري؛ حيث يبرز بالتزامن مع سببه، كما يبدو لنا. أما التأثيرات الأخرى فتتولد لاحقاً فقط وتكون غير مرئية؛ وسنكون محظوظين إذا تمكنا من تنبؤها" (باستيا 1850).

وفيما يتعلق بقضية برنامج التأمين ضد البطالة في الأردن، فإن ما يبدو لنا هو أمر جذاب للعامة من الناحية السياسية، خاصة إذا كان سيتم تطبيق البرنامج لفترة قصيرة فقط. ولكن ما لا ندركه هو العواقب المؤلمة طويلة الأمد للبرنامج مثل التكاليف المالية التي يفرضها على الإقتصاد، والتيبسات الهيكلية التي يحدثها نتيجة لتوسع القطاع غير الرسمي، وأمراض الاقتصاد الكلي التي يحدثها نظراً لزيادة عدد العاطلين عن العمل. إن العامل الإساسي هو أن العواقب غير الظاهرة لإطلاق هذا البرنامج، والتي تهدف إلى معالجة البطالة في الأردن، ستعمل على اختلال الحوافز في سوق العمل عن طريق تشجيع الناس للبقاء عاطلين عن العمل لفترة أطول.

يشكل إصلاح أطر العمل المؤسساتية والتنظيمية جزءاً متمماً لتحسين أداء أسواق العمل. كما يجب على مشاريع السياسة العامة الهادفة إلى تخفيف الضغوط الحالية والحصول على نتائج أفضل أن تعالج التيبسات الهيكلية بما في ذلك دور الدولة كناظم لكل من أصحاب العمل وسوق العمل (البنك الدولي 2004). كما ينبغي لحوافز السوق أن تشجع الناس على العمل في القطاع الخاص بدلاً من الاعتماد على خطط المعونات وذلك كي تصبح فاعلة وقادرةً على الاستمرار على المدى البعيد. أخيراً، فإن الأردن بحاجة إلى إعادة النظر في مقترح التأمين ضد البطالة.

*غالب حجازي: باحث من خلال التدريب والدراسة. يعمل في مشروع التطوير الدولي (إمبريتك جوردان) في التسويق والتطوير. قبل الإنضمام إلى إمبريتك كان يعمل في المؤسسة الأردنية لضمان القروض.

*فادي حدادين: خبير اقتصادي من خلال التدريب والدراسة. يعمل في البنك الدولي في قسم التمويل والبنية التحتية والقطاع الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. عمل قبل الإنضمام إلى البنك الدولي في سلطة منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة في الأردن.

تمثل الآراء المطروحة في المقال وجهات نظرهما الخاصة ولا تعبر بالضرورة عن آراء إمبريتك جوردان أو البنك الدولي. هذا المقال برعاية مصباح الحرية، www.misbahalhurriyya.org