أشاد المسلمون في كل أنحاء العالم يوم الاحد بسعي البابا يوحنا بولس الثاني لمد الجسور مع الاسلام قائلين إن تعاطفه وقيادته غيرا رأيهم في الكنيسة الكاثوليكية.
نظرة الوداع
ألقى المسؤولون الإيطاليون ورجال الدين الكاثوليك نظرات الوداع على جثمان البابا يوحنا بولس الثاني، الذي سجي في مشهد مهيب في الفاتيكان.
وقد مر المعزون، وبينهم رئيس الوزراء سيلفيو بيرلوسكوني، على الجثمان المسجى الذي بدا وقد ارتدى رداء قرمزيا وقبعة البابوية البيضاء وظهر على شاشات التلفزيون.
وكان عشرات الآلاف من المعزين قد حضروا في وقت سابق قداسا مفتوحا في ساحة القديس بطرس في روما إكراما للبابا يوحنا.
وسجي جسد البابا على منصة بقاعة كليمنتين بالفاتيكان، ووقف حارسان على جانبي الجثمان وقد ارتديا الملابس التقليدية للحرس البابوي.
وقد استلقت رأس البابا على وسادة واستراح ذراعاه على صدره ووضعت عصا الأسقف تحت ذراعه اليسرى، وعلى أحد جانبي الجثمان كان هناك صليب عليه تمثال للمسيح المصلوب بينما على الجانب الآخر أضيأت شمعة طويلة.
وسوف ينقل الجثمان الاثنين إلى كنيسة القديس بطرس حتى يتسنى للعامة إلقاء نظرات الوداع عليه.
ويتوقع المسؤولون أن يفد ما يصل إلى مليون شخص إلى روما لوداع البابا. ولم يحدد موعد الجنازة بعد، غير أنه من غير المتوقع أن تجرى قبل الأربعاء.
وكان ما يصل إلى مائة ألف شخص قد أمضوا الليل ساهرين في الساحة خارج الكنيسة، تحت نافذة الشقة التي لفظ فيها البابا أنفاسه الأخيرة مساء السبت. وكان الكثير من المحتشدين يصلون، بينما بكا البعض بشكل علني
اشادة اسلامية
وقاد البابا وهو أول بابا تطأ قدماه مسجدا خلال زيارة إلى سوريا عام 2001 حملة على مدى العقدين الماضيين للمساعدة في تحويل الصراع إلى تعاون بين كاثوليك العالم البالغ عددهم 1.1 مليار و1.2 مليار مسلم في العالم.
وأشاد الزعماء الفلسطينيون والافغان بتأييده لرغبة الشعبين في الحرية وعبر رجال دين في اندونيسيا وماليزيا وبنجلادش عن أملهم في أن تكون جهود خليفته انطلاقا من مساعي البابا لتعزيز علاقات التفاهم مع الاسلام.
ووصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس البابا بأنه "شخصية دينية عظيمة كرس حياته للدفاع عن قيم السلام والحرية والعدل والمساواة لكل الاجناس والديانات بالاضافة إلى حق شعبنا في الاستقلال."
وقال الرئيس الافغاني حامد كرزاي "نذكر أنه خلال سنوات احتلال الاتحاد السوفيتي لافغانستان رفع البابا صوته مؤيدا للشعب الافغاني." وأضاف في بيان "كما حث الشعب الافغاني على تحقيق السلام خلال السنوات المظلمة من صراع الفصائل والتدخل في أفغانستان."
وقال الرئيس الايراني محمد خاتمي ان البابا كان على اطلاع واسع على الديانات السماوية الثلاث وعلى الفكر الفلسفي والابداع الشعري والفني.
وتخلى البابا يوحنا بولس الثاني أول بابا غير ايطالي منذ 445 عاما عن الكثير من رسميات منصبه فكان كثير السفر وألف خمسة كتب كما ألف موسيقى دينية سجلها على اسطوانة مدمجة.
وتحدث المسؤولون في اندونيسيا أكبر دول العالم الاسلامي سكانا التي يمثل فيها المسلمون 85 في المئة من بين 220 مليون نسمة عن اخلاصه للسلام.
وقال هاشم مزادي زعيم جماعة نهضة العلماء وهي أكبر تجمع للمسلمين في البلاد والتي تضم 40 مليون عضو إنهم "ما من شك يشعرون بالاسى على رحيل البابا لانه كان يكرس نفسه طوال حياته للجهود الانسانية ومساعي السلام."
ويأمل الكثير من المسلمين في أن يسير البابا الجديد على خطى البابا الراحل من حيث التفاهم بين العقيدتين. ومن العلامات البارزة في هذا الطريق دعوة البابا عام 1986 كل المسلمين وأصحاب الديانات الاخرى الصلاة معا من أجل السلام في العالم في بلدة أسيسي الايطالية.
وفي كوالالمبور قال عزيزان رزاق وهو رجل دين وزعيم رفيع في حزب الاسلام الماليزي "نأمل أن يحذو خليفته حذوه في زيادة التفاهم بين المسلمين والمسيحيين."
وفي بنجلادش التي يسكنها نحو 140 مليون مسلم قال مولانا عبيد الحق من مسجد بيت المكرم ان العالم فقد شخصية دينية عظيمة. وأضاف رجل الدين "نتمنى أن يعمل خليفته من أجل السلام العالمي."
وذكر تشاندرا مظفر المحلل السياسي الماليزي أن معارضة البابا الشديدة للغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003 لاقت تقديرا واسع النطاق بين مسلمي العالم.
ومضى يقول "كان أيضا من أول المحتجين على حرب العراق... أظهر ذلك التزامه بالعدل والسلام في العالم."
وفي باكستان قال حافظ حسين أحمد من مجلس العمل المتحد وهو تحالف لاحزاب اسلامية ان العالم فقد رجل سلام.
وأردف قائلا ان حديث الرئيس الامريكي جورج بوش "عن حرب صليبية كان يمثل تناقضا واضحا مع جهود البابا يوحنا بولس لتشجيع الحوار والتجانس بين الاديان."
وفي الفلبين التي يشكل الكاثوليك أغلب سكانها قال شريف جلابي من رابطة العلماء وهي جماعة من رجال الدين لها نفوذ ان البابا "مد جسور التفاهم" بين المسيحيين والمسلمين. وتابع "تأثرت باللفتة التي قام بها عندما صفح عن مسلم حاول اغتياله."
ونجا البابا من محاولة اغتيال قام بها مسلح تركي يدعى محمد علي أغا في ايار/ مايو عام 1981.
الإجراءات المقررة
الى ذلك قال الناطق باسم الفاتيكان جواكين نافارو فالس : " إن الأب توفي مساء السبت في شقته الخاصة " ، مضيفا : " كل الإجراءات المقررة في الدستور البابوي (راعي خراف الرب) الذي أصدره البابا يوحنا بولس الثاني في 22 شباط / فبراير 1996 دخلت حيز التنفيذ" .
وتحدد هذه الوثيقة بدقة تسلسل الأحداث بعد وفاة البابا ، وخلال فترة خلو الكرسي الرسولي ، بما في ذلك الجنازة والدعوة إلى مجمع الكرادلة الانتخابي المغلق لانتخاب البابا الجديد.
وقد أعلن الفاتيكان أن جثمان البابا سيسجى اعتبارا من الإثنين في (كاتدرائية القديس بطرس) ، وسيعقد أول اجتماع للكرادلة في اليوم ذاته لتحديد موعد الجنازة.
وقد توفي البابا وهو يمسك بيد سكرتيره الخاص الأسقف البولندي : ستانيسلاو جيفتش ، في حين كان المؤمنون مجتمعين في ساحة القديس بطرس وهم ينشدون التراتيل.
وأما الذي أعلن نبأ الوفاة لأهل روما فكان الكاردينال : كاميلو رويني النائب الأسقفي عن روما ، كما يقضي التقليد في حين تولى هذه المهمة في ساحة القديس بطرس الأسقف الأرجنتيني : ليوناردو ساندري ، وعندما أعلن الخبر انفجر الكثير من المؤمنين عندها بالبكاء ، وبدأ عندها سكرتير دولة الفاتيكان : آنجيلو سودانو ترتيلة وقرعت أجراس الكنائس في روما حدادا.
وفي فادوفيتشي - مسقط رأس البابا - وفي كل أرجاء بولندا تجمع عشرات الآلاف من المؤمنين في الكنائس ليلة السبت - الأحد للصلاة لراحة نفس يوحنا بولس الثاني ، وركع مئات الأشخاص بصمت أمام (كاتدرائية القديسة مريم) في فادوفيتشي ، على بعد عشرة أمتار تقريبا من المنزل الذي ولد فيه البابا .
وقد توالت ردود الفعل من قادة العالم مشيدة بالبابا طوال الليل ، وفي حين كان البابا يعيش آخر ساعات حياته ، تجمع ملايين المؤمنين عبر العالم للصلاة من أجله ، وبعد إدخاله المستشفى مرتين متتاليتين وإخضاعه لعملية لمساعدته على التنفس في شباط / فبراير الماضي ، تدهورت صحة البابا بشكل متسارع منذ الخميس ، وذلك بعد إصابته بالتهاب في المجاري البولية وتسمم بالدم وخلل في وظائف القلب.
ورغم أنه كان عاجزا عن الكلام خلال الفترة الأخيرة ، إلا أن البابا ظهر مرات عدة من على شرفة جناحه في المستشفى ، وتمكن فقط من التلفظ بكلمات معدودة علنا في 13 آذار / مارس قبيل عودته إلى الفاتيكان ، ومنذ ذلك الحين لزم يوحنا بولس الثاني الصمت ، وتغيب في 25 آذار / مارس - يوم الجمعة العظيمة عن درب الصليب ، وبثت له مشاهد التقطت من الخلف في جناحه الخاص في الفاتيكان ، وبعد يومين أي في عيد الفصح اضطر إلى التخلي عن إقامة صلاة التبريك.
ويوحنا بولس الثاني هو أول حبر أعظم سلافي ، ولد في (فادوفيتشي) قرب (كراكوفيا) ، وانتخب رئيسا للكنيسة الكاثوليكية في سن الثامنة والخمسين في 16 تشرين الأول / أكتوبر 1978 ، وفرض نفسه كزعيم روحي ورجل نشيط.
وهو يتقن عدة لغات ورحالة لا يكل ، وقد جذب جموع هائلة في كل تنقلاته التي اشتملت على 104 رحلة إلى الخارج ، زار خلالها 129 دولة.
لكن المشاكل الصحية طغت في الفترة الأخيرة على حبرية البابا ، وهو رجل رياضي أضعفه مرض الـ (باركنسون) ، وأثار الإصابة - التي تعرض خلالها خلال محاولة اغتياله في ساحة القديس بطرس من قبل المتطرف التركي : أحمد علي أقجا في 13 أيار / مايو 1981 ، ومن سرطان في القولون ، وكسرين : الأول في الكتف ، والثاني في الورك.
هذا ، ومن المقرر أن يوارى البابا الثرى في (كاتدرائية القديس بطرس) في روما ، إلا في حال تركه لوصية بغير ذلك ؛ حيث أن بعض البولنديين يزعم أن الحبر الأعظم كان يرغب في أن يدفن في بولندا في مقبرة العائلة في (فادوفيتشي) ، والأمر الفصل في ذلك سيكون في الوصية التي قد يكون البابا تركها قبل وفاته