احتضار المعارضة الليبرالية واليسارية في مصر
مارينا أوتاوي – واشنطن*
تدخل مصر دورة انتخابية مكتظة للغاية تشمل مجلسي الشورى والشعب على التوالي، في ايار / مايو وتشرين الثاني / نوفمبر 2010، ومنصب الرئاسة في ايلول / سبتمبر 2011.
لكن لسوء الحظ، النتيجة الحتمية هي ان اياً من هذه الانتخابات لن يكون لها تأثير على توزيع السلطة في البلاد.
وتُبين عشرات المقابلات مع سياسيين ومحللين واعضاء من منظمات المجتمع المدني، خلال زيارة قمت بها الى مصر اخيراً، ان احداً لا يتوقع ان تُحدث الانتخابات فرقاً. لا بل في الواقع النتائج معروفة سلفاً: ففي نهاية هذه العملية، سيسيطر الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم بغالبية ساحقة على مجلسي الشعب والشورى على حد سواء، كما هو الحال الآن.
وثمة ما هو اكثر من ذلك: إذ من المرجح ان يكون وجود المعارضة اقل حجماً، وذلك لأنه يجري اخراج جماعة الاخوان المسلمين من المنافسة من طريق إلقاء القبض على العديد من قادتها.
صحيح ان ثمة بعض الشكوك حول الانتخابات الرئاسية، لكن حتى في تلك الانتخابات، النتائج المحتملة محدودة: إما ولاية جديدة للرئيس حسني مبارك، الذي يبدو مصمماً على ترشيح نفسه مرة اخرى على الرغم من تقدمه في العمر ومن انه امضى ثمانية وعشرين عاماً في السلطة، او انتخاب ابنه جمال، او انتخاب رئيس صوري من الحزب الوطني، بحيث تبقى الاجهزة الامنية مسيطرة بقوة من وراء الكواليس. هذه النتائج قابلة للتنبؤ لأن إمكان المنافسة السياسية الحقيقية يعوقها غياب احزاب المعارضة.
المصريون غير راضين عن الوضع الراهن، وقد اظهروا عدم رضاهم هذا من خلال العدد المتزايد بسرعة من الاضرابات والتظاهرات. لكن التنظيمات السياسية التي يمكن ان تحوّل هذا الاستياء بديلاً من الحكومة الحالية لم تعد موجودة.
فعلى الصعيد السياسي، اصبحت مصر مجتمعاً ذا بعد واحد حيث لا يوجد بديل حقيقي من المؤسسة الحاكمة الحالية.
والتكهنات في القاهرة اليوم لا تتعلق بعدد المقاعد التي ستفوز بها الاحزاب المختلفة، بل بعدد المقاعد التي سوف تمنحها لها الحكومة من اجل الحفاظ على الرواية بأن مصر لم ترتكس الى نظام الحزب الواحد.
في مواجهة الاغلاق الصارم للحياة السياسية في مصر والقمع المباشر الذي تمارسه الاجهزة الأمنية، ليس فقط ضد جماعة الإخوان المسلمين بل ايضاً ضد المعارضين الليبراليين الذين اجتذبوا بعض الدعم او على الاقل الانتباه، واصلت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عموماً ممارسة الصمت الى حد كبير. فبعد انطلاقة قوية لفظياً، تراجعت ادارة بوش عن الجهود الرامية الى تعزيز الديموقراطية في مصر والعالم العربي، في اعقاب الانتخابات البرلمانية للعام 2005 التي فازت فيها جماعة الاخوان المسلمين بنسبة عشرين في المئة من المقاعد.
ومن جهتها، ظلت ادارة اوباما صامتة بشكل غريب حيال الديموقراطية، باستثناء اشارات عابرة في خطاب الرئيس اوباما الى العالم الاسلامي في القاهرة في حزيران / يونيو 2009، وفي خطاب وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون في قطر في شباط / فبراير 2010.
لكن، وفي ضوء تزايد خنق النشاط السياسي في مصر، لا يمكن إدارة اوباما ان تواصل التزام الصمت، حتى لو لم يكن في وسعها ان تفعل الكثير لتغيير هذا الوضع من الناحية العملية.
اذ من غير المحتمل للأدوات العادية للترويج للديموقراطية – بما في ذلك الضغط على النظام، وتقديم المساعدة لجعل العملية الانتخابية اكثر نزاهة، ومساعدة مراقبي الانتخابات المحلية، ونشر مراقبين دوليين – أن تُحدث فرقاً.
حتى تقديم المساعدة الى الاحزاب السياسية لن يساعد، حيث ان الاحزاب الليبرالية واليسارية تبدو في حالة احتضار قبل بضعة اشهر فقط من الانتخابات، وجماعة الاخوان المسلمين تُعاني من انقسام عميق، والكثير من كبار زعمائها يقبعون في السجون.
لا بل حتى إن بعض اقوى المدافعين داخل الجماعة عن المشاركة السياسية يدعون الآن الى تعليقها.
ومع ذلك فمن خلال عدم التعبير عن رأيها بصراحة، توجه إدارة اوباما رسالة مفادها ان الولايات المتحدة تقبل مهزلة الديموقراطية التي تمثلها هذه الدورة الانتخابية.
الدمقرطة كسياسة بحتة
على اي حال، عملية الاصلاح السياسي في مصر، التي تحتضر حالياً والتي كانت مُرتّبة منذ البداية من الاعلى، كانت نتيجة لحسابات سياسية اكثر منها نتيجة للتغييرات في المجتمع والاقتصاد وما قد يرافقها من ظهور لاعبين سياسيين جدد.
عملية الاصلاح بدأت في السبعينات عندما أطلق الرئيس انور السادات عملية اصلاح سياسي واقتصادي حَذِرة ومُدارَة بدقة.
وقد سمحت الاصلاحات الاقتصادية بإحياء القطاع الخاص، لكنها لم تفكك القطاع الصناعي الدولتي المدعوم الذي تم تطويره في عهد عبد الناصر.
والحصيلة كانت تآكل القطاع العام من دون حصول توسّع حقيقي للقطاع الخاص، حيث لم يُنفّذ الكثير من الاصلاحات التي نادت بها المؤسسات المالية الدولية خلال السبعينات والثمانينات الا في العقد الاخير.
كما كانت النتيجة ظهور قطاع خاص باهت يرتبط بالمؤسسة الحاكمة ويدعم النظام، بدلاً من ان يسعى الى الحصول على دور سياسي مستقل.
الجانب المُعلن من الاصلاح السياسي في مصر، بدأ مع القرار الذي صدر في العام 1976 حول التخلي عن نظام الحزب الواحد التي تمّ تبنيه بعد انقلاب العام 1952، والسماح بتشكيل احزاب سياسية جديدة.
وقد دعا السادات أفراداً منتقين بعناية الى تشكيل حزبين معتدلين، احدهما يميني والآخر يساري، في حين سيكون الاتحاد الاشتراكي العربي القديم، الذي سرعان ما اعيدت تسميته "الحزب الوطني الديموقراطي"، حزب الوسط.
اما الجانب غير المُعلن من الاصلاح فقد تمثّل في القرار الخاص بالسماح للاسلاميين، بما في ذلك جماعة الاخوان المسلمين، البدء في ممارسة نشاطهم التنظيمي، وخصوصاً في الجامعات.
كانت تلك هي اللعبة القديمة المتمثلة في تحريض عدو (الجماعات الاسلامية) ضد الآخر (الناصريين الذين اعتبرهم السادات عقبة في طريق توطيد سلطته).
وأدى القدر الاوسع من الحرية التي مُنحت للاسلاميين لتنظيم انفسهم الى تطورين رئيسيين: الاول ظهور الجماعات الاسلامية المتطرفة التي سوف تغتال السادات في العام 1981 وتواصل حملتها الارهابية في العقود التالية، وتزويد "القاعدة" بالعديد من المجندين، بما في ذلك ايمن الظواهري، الذي يعتبره الكثيرون العقل المدبر للتنظيم. والتطور الثاني هو تغيّر المواقف في جماعة الاخوان المسلمين الذي ادى الى قرارها المشاركة في السياسات الانتخابية.
لكن في غضون عقدين، اصبحت جماعة الاخوان المسلمين في مصر أهم حركة معارضة، على الرغم من انها لا تزال منظمة محظورة ومُحظّر عليها تشكيل حزب سياسي.
وفي العام 2005، استحوذ الاخوان المسلمون كمستقلين على نسبة 20 في المئة من المقاعد في مجلس الشعب، وهو ما يُعتبر انتصاراً كبيراً وفقاً للمعايير المصرية.
لم يكن نجاح الاخوان المسلمين عائداً فقط الى تبنيهم النهج السياسي ولا الى الحماسة التي ابدوها لبناء قواعد شعبية انتخابية، بل ايضاً الى فشل الاحزاب الليبرالية واليسارية التي امر السادات بدفعها الى حيّز الوجود في تكريس نفسها كمنظمات ذات صدقية.
اما جماعة الاخوان المسلمين، فقد اخذت منذ بروزها في العشرينات من القرن الماضي مهمة التنظيم على محمل الجد، في البداية في خدمة الدعوة الدينية، لكن منذ الثمانينات فصاعداً وضعت لنفسها هدف الفوز بمقاعد برلمانية. ولأنها ممنوعة من تشكيل حزب سياسي، فقد شاركت الجماعة في الانتخابات من خلال تحالفات مع احزاب المعارضة السياسية الاخرى، او من طريق تقديم مرشحيها كمستقلين. هذا في حين ان الاحزاب الليبرالية واليسارية لم تُكرّس جهوداً مماثلة لتنظيم نفسها.
وتُظهر نتائج انتخابات مجلس الشعب، وهي الغرفة الثانية والأكثر اهمية في البرلمان المصري، بشكل واضح، فشل التنظيمات الليبرالية واليسارية ونجاح جماعة الإخوان المسلمين في آن واحد.
وعلى الرغم من انه تم بلا شك التلاعب بنتائج الانتخابات، إلا ان ضعف هذه التنظيمات واضح بشكل صارخ. فالحزبان اللذان امر السادات بدفعهما الى حيز الوجود، وأُطلق عليهما، على نحو غريب، اسم "الحزب الليبرالي الاشتراكي" و"حزب العمل الاشتراكي"، لم يفوزا قط بأكثر من حفنة من المقاعد.
كما ان الاحزاب الاخرى التي سرعان ما برزت على اليسار، كـ"حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي" و"الحزب الناصري"، لم تحصل سوى على عدد محدود من المقاعد في الانتخابات المتعاقبة.
على الجانب الليبرالي، تمكّن "حزب الوفد الجديد" من الحصول على نسبة مُحترمة قدرها 59 مقعداً (من اصل 448) في انتخابات العام 1984، عندما تم اطلاقه بصفته التجسّد الجديد لحزب الوفد التاريخي. لكنه فشل بعد ذلك فشلاً ذريعاً.
ومعروف ان حزب الوفد هيمن على الحياة السياسية المصرية قبل انقلاب "الضباط الأحرار" في العام 1952، عبر اجتذابه مجتمع رجال الأعمال بسبب موقفه الليبرالي، والجمهور العريض عبر اوراق اعتماده الوطنية.
بيد انه لم يعد في وسع حزب الوفد الجديد لعب الورقة الوطنية، في الوقت الذي فشل فيه بتجديد زعامته ورسالته. ونتيجة لذلك لم يحصد سوى عشرة مقاعد فقط في انتخابات العام 1987، واختار مقاطعة انتخابات العام 1990 احتجاجاً على قانون الانتخابات الجديد، ثم لم يتمكن من الفوز بأكثر من ستة او سبعة مقاعد في الانتخابات اللاحقة.
في المقابل، ازدادت جماعة الإخوان المسلمين قوة، على الرغم من ان القيود عليها كانت تعني ان عدداً قليلاً فقط من اعضائها قد انتخبوا لعضوية البرلمان في البداية.
بيد ان انتخابات العام 2005 كانت نقطة تحوّل بالنسبة اليها. فعلى الرغم من انها رشّحت عدداً محدوداً فقط في المناطق، إلا انها حصلت على 88 مقعداً مقابل سبعة عشر مقعداً في البرلمان السابق.
كانت تلك الانتخابات في آن واحد انتصاراً وتراجعاً للتنظيم، لأن هذا النصر كان أكثر بكثير مما كان يمكن نظام مبارك تحمّله.
وقد انخرطت كتلة الاخوان النيابية بنشاط في الحياة البرلمانية، لكن لم يكن لها تأثير، ولم يسمح لمرشحي الجماعة لانتخابات المجالس البلدية في العام 2008 حتى بالتسجيل.
ثم ان موجة من الاعتقالات التي لم تنقطع واصلت بشكل دوري ادخال واخراج زعمائها والعديد من مموليها الى/ ومن السجن بتهم مختلفة.
كان تأثير ذلك على جماعة الاخوان المسلمين مُدمّراً. فقد ظهرت انقسامات عميقة في التنظيم، وفقد الاصلاحيون الذين قادوا جماعة الإخوان المسلمين في اتجاه المشاركة في الحياة السياسية الكثير من نفوذهم.
وتكشّف الصراع الى العلن في انتخابات مرشد جديد وأعضاء مجلس الشورى في كانون الثاني/ يناير 2010 التي شهدت تنحية الاصلاحيين جانباً لمصلحة قيادة اكثر محافظة.
*مديرة برنامج الشرق الاوسط
في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- عن صحيفة "النهار".