اتفاق إيران .. فجر جديد في الشرق الأوسط؟

تاريخ النشر: 09 أبريل 2015 - 04:53 GMT
البوابة
البوابة

ترجمة عبد الرحمن الحسيني

توني بورمان* — (تورنتو ستار) 3/4/2015

يجري تذكر لحظات التاريخ الكبرى بأثر رجعي غالباً كلحظات درامية وعظيمة. لكنها عندما تكون قريبة وفي خضم حرارة العمل، يمكن أن تكون فوضوية ومربكة. وتنضم الصفقة البارزة التي أبرمت هذه الأيام مع إيران إلى تلك القائمة.

هذه الاتفاقية الهائلة في إمكانياتها، يمكن أن تأخذ هذا القرن الحادي والعشرين إلى وجهة جديدة تماماً. لكن العملية التي قادت إليها لم تكن جميلة بكل تأكيد، كما أن الرحلة نحو السلامة النووية لم تنته أيضاً بالتأكيد.

كان الأمر مشهدياً تماماً. فمثل ملاكمين من الوزن الثقيل في نهاية جولة منهكة على لقب البطولة، مرهقين لكنهما ما يزالان واقفين على أقدامهما، استطاع ممثلو القوى الست العالمية الرئيسية في العالم وإيران التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف.

بعد ثمانية أيام من المفاوضات المكثفة في لوزان، سويسرا، في أعقاب أكثر من 18 شهراً من المباحثات، أعلن المتفاوضون عن التوصل إلى إطار عمل مؤقت، والذي يرمي إلى الحد من البرنامج النووي الإيراني ليقتصر على أغراض سلمية وليس عسكرية. ومنحوا لأنفسهم مهلة حتى نهاية حزيران (يونيو) للتوصل إلى اتفاقية تفصيلية ونهائية.

على ضوء كل حالات عدم اليقين التي تخللت المفاوضات، من السهل أن يفوت المرء كم يمكن أن يكون هذا التطور الإيراني مدهشاً من حيث الإمكانية. فبعد 35 عاماً من العلاقات المريرة مع الولايات المتحدة وعزل الغرب له، يبدو واحد من مواطن الحضارات العالمية الكبرى مستعداً مرة أخرى ليصبح عضواً موثوقاً ومقبولاً في المجموعة الدولية.

إذا قادت هذه الصفقة في نهاية المطاف إلى شراكة بناءة جديدة مع الغرب، والتي كانت قائمة قبل الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979 فستغير على نحو درامي الميزان الإستراتيجي في الشرق الأوسط. وسيكون هذا من أجل الأفضل.

على نحو محتوم، وبينما يقترب الموعد النهائي في حزيران (يونيو)، فإن الأصوات المضادة لهذه الصفقة مع إيران ستكون عالية ومنذرة. وستستغل حجرة الصدى غير المنتقدة عادة في الإعلام لبث الخوف. وسيكون العمل من أجل السلام صعباً ومعقداً، لكن الظهور بمظهر الشجاع والمحارب هو أمر سهل.

لدينا القرن الماضي ليذكرنا. ما يزال في وسعنا أن نسمع الأصوات التي تجأر بوصف "الخيانة" رداً على أي اتفاقية نووية مع "إمبراطورية الشر" الخاصة بالاتحاد السوفياتي ورداً على أي تفاهم مع "الصين الحمراء". لكن تلك الأعمال الشجاعة غيرت وجهة العالم إلى ما فيه خيره.

 

لقد بدأت المعركة وحسب من أجل كسب الرأي العام الأميركي. وأظهر استطلاع إخباري أجرته صحيفة "الواشنطن بوست" وشبكة "إيه بي سي" ونشرت نتائجه مؤخراً أن الأميركيين يؤيدون بهامش 2-1 تقريباً التوصل إلى صفقة مع إيران، لكنهم يبدون تشككاً حيال محافظة إيران على التزاماتها. وقد أفضت دراما الأسبوع الماضي إلى تشجيع منتقدي الصفقة. وهناك أصلاً دعوات من محافظي أميركا لإسرائيل والولايات المتحدة أو كليهما لقصف إيران. وفي الكونغرس الأميركي، تعهد الجمهوريون بعمل كل ما في وسعهم لتعطيل الاتفاق المؤقت ولمحاولة فرض عقوبات إضافية على إيران.

مثل المنتقدين الآخرين، سوف يثير هؤلاء ثلاثة اعتراضات رئيسية، على الأقل، على هذه الاتفاقية المؤقتة، وسيجانبون الصواب في الحالات الثلاث:

• "ستفرز العقوبات الإضافية صفقة أفضل"

ليس صحيحاً. لم تجبر عقود من العقوبات ضد إيران ذلك البلد على التنازل عن برنامجه النووي، أو تقنع الإيرانيين بالقيام بثورة ضد نظامهم. وببساطة، فإن العقوبات الإضافية ستقنع إيران بأن المفاوضات لا تعدو كونها مضيعة للوقت، وستدفعها إلى استنتاج أن الدافع الغربي الحقيقي هو "تغيير النظام". وسيوفر لها ذلك دافعاً محركاً بشكل كاف لتطوير أسلحة نووية كرادع.

• "سيسمح لإيران بالغش"

لماذا يجب أن يكون الأمر كذلك؟ نعم، لقد مارست إيران الغش في الماضي، لكن ذلك كان لأن نظام المراقبة كان ضعيفاً. وهذه ليست صفقة أبرمت في ظلام الليل مع أناس هائمين على وجوههم. إنها اتفاقية يتم التوقيع عليها من جانب ست قوى عالمية كبرى -الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا- لأنهم يشعرون بأنها تصب في صالح العالم. فهل نعتقد بأنهم بلهاء أم ماذا؟

• "إيران أكثر قوة ستزعزع استقرار الشرق الأوسط"

مرة أخرى، لماذا يجب أن يكون الأمر كذلك؟ إن إيران بلد متعلم ومتحضر، فيه مواطنون شباب حيويون يريدون أن يخرجوا من الضياع -في الحقيقة هم يصرون على ذلك. وإذا ما تكشفت هذه العملية كما تبين، فلماذا لا تصبح إيران قوة إيجابية في تطوير منطقة نعرف كلنا أنها محطمة بوضوح.

إن التاريخ يعج بالساسة الخادمين لذاتهم والشغوفين بإستعراض رجولتهم عبر إرسال أبناء الناس الآخرين ليموتوا باسمهم. إنهم كلهم من حولنا الآن، بما في ذلك هنا في كندا. لكننا استطعنا البقاء بأعجوبة بعض الشيء في القرن العشرين، لأن هناك ما فيه الكفاية من الناس قالوا لهم "لا" في نهاية المطاف.

ليس ذلك التحدي أقل إلحاحاً الآن. ولعل هذا الانفراج الأخير مع إيران -بسبب ما ينطوي عليه من وعد وعلى الرغم من مخاطره- يمكن أن يكون خطوة كبيرة في مسار تلك الرحلة.

*توني بيرمان: الرئيس السابق لمؤسسة "سي بي سي نيوز" والجزيرة الانكليزية، وهو أستاذ يدرس الصحافة في جامعة ريورسن.

* عن "الغد" الاردنية