أنا، العربية

تاريخ النشر: 11 يناير 2007 - 08:10 GMT

فادي حدادين*

يبدو لي من الغريب أن يخرج المرء من بين الأموات. لعدة قرون، أثناء رقودي في قبري، شعرت بمدى استهتار بني قومي وهم يتحدثون ويكتبون باسم هويتي وروحي وملكيتي.

أنا، العربية كنز. شجرة عائلتي شبكة هائلة من الأفرع والأغصان: الأدب العربي، القواعد العربية، الخط العربي، عروض الشعر العربي، البلاغة، الشعر التقليدي، الشعر الحديث، والسرد القصصي. أحفادي تفوقوا في مفاصل تاريخية عديدة في الفن والعلوم والرياضيات والقانون والفلسفة؛ وكلٌ ركز على ميزته النسبية إزاء آخرين من مثقفي ورياضيي وفلاسفة شعوبٍ أخرى، واستفاد من التبادل في مجالات الإبداع الإنساني.

بيد أن ماضيَّ ليس دون أحزانٍ ونكسات. إني أتذكر بأسى صرخة حافظ إبراهيم نيابة عني ينعى فيها على زملائه مدى ما آلت إليه الحالة من عدم احتمال عندما بدأ بعض بني قومي باتهامي بالعجز، وذلك حين قال رداً عليهم:

رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حَصاتي

وناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي

رَمَوني بعقمٍ في الشباب وليتني

عقمتُ، فلم أجزعْ لقولِ عُداتي

أنا، العربية.. مليئة باللآلئ.. غُص في أعماقي وانظر كم أنا جميلة. قوّتي تكمن في أدواتي وكلماتي وفن وصف الأشياء في الحياة. ولكن بني قومي أخذوا، للأسف، يستخدمونني بصورة متزايدة لوصف صور مكربة: عنف، وحَرب، ورُعب، ودماء، وأعداء، ومؤامرات، وجلد الذات.

أنا، العربية.. أصبحت جميلة في الزمان الماضي لأن بني قومي تُركوا أحراراً للتفوق في إبداعهم وسعيهم لوصف الطبيعة؛ يكتبون عن جمال معشوقيهم؛ ويمارسون الصوفية والطقوس الدينية؛ ويستخدمون العقل والمنطق في نشاطاتهم التجريبية اليومية.

أنا، العربية.. لا أحتمل التخلف والركود وبدائية اللغة. العامة من بني قومي استخدموني للترحيب بالغرباء والأجانب وأبناء الحضارات الأخرى بكلمات تنطق بالحب والتسامح والاحترام. وهناك آخرون استخدموني سعياً لملاذ من الآخرين، وطلباً للعدالة من الحكام، وصبراً على نوائب الدهر.

أنا، العربية.. ترعرعتُ ونضجتُ عندما أدى النشاط الإنساني وتعظيم التفاعل التلقائي، الذي أبدعتُهُ، من خلال فن الترجمة، بيني وبين اللغات الأخرى، إلى وعي بني قومي على مدى تقدم اللغات العظيمة الأخرى في مجالات الكيمياء والقانون والطب والفلسفة والاقتصاد.

أعتقد أن البشر ليسوا عقلانيين دائماً؛ لقد أدهشني كيف استخدمني بني قومي في القرن الماضي، وحتى الآن، في ضرب الآخرين. هناك ما يسمى التلفاز والراديو والإنترنت. يا إلهي... إنها إنجازات كبيرة ولكنني رأيت فيها بني قومي يجزون رقاب أشخاصٍ آخرين ويهينون آخرين بل وحتى مواطنيهم ويشتمون آخرين لا يسيرون في ركاب الدولة، والدين، و"رموز المجتمع،" و"المصلحة العامة." ما أدهشني كثيراً في قبري هو عندما بدأت أرى الانقسام بين بني قومي—كلمات لم أسمعها قط من قبل وأسماء لا أذكر أبداً أني أطلقتها على الأسماء الأولى لأولادي، الطائفية—إحدى أفراد عائلتي التي أخذَتْ تُطلِق على أبنائها أسماء مثل سنة، شيعة، علويين، و... للأسف، ذاكرتي لا تسعفني هنا... تعرفون كم تسوء الأمور عندما تهرم في قبرك مثقلاً بالحزن.

ولكن العالم ليس مجتمعاً مغلقاً. لقد حققت قوى العولمة والتجارة الحرة عجائب لا يستطيع بعض أحفادي مواجهتها: الإنترنت، والتدوين الإلكتروني، ومؤخراً، الآيبود. الناس يستمعون لي في الآيبود! أستطيع أن أرى الفرنسيين وهم يستمعون للموسيقى الجزائرية في شوارع باريس، والبريطانيين يستمعون لعمرو دياب في شوارع لندن، والأمريكيين يستمعون لـ"المدرسة الرحبانية" الموسيقية في شارع الحمراء في بيروت. بل إني ابتسمت عندما رأيت زوجين هولنديين يستمتعان بالرقص الشرقي في السفن اليللية في القاهرة (هنيئاً لهم!).

يا إلهي، أطفالي الذين يقضون أمسياتهم في التدوين الإلكتروني في عمان وبغداد والدار البيضاء والبحرين، يستخدمون أرقاماً يستخدمها الناطقون بالإنجليزية عندما يريدون التعبير عن أحاسيس لا يمكن أن تكون كاملة دون الاستعارة من لغات أخرى. خذ ما يلي على سبيل المثال: شابة فلسطينية أرادت، في اتصال لها مع مدوِّن دنماركي، الإسهاب في وصف مدى خصوصية أم كلثوم في عالم الموسيقى العربية في خمسينات وستينات القرن الماضي فكتبت بحروف لاتينية: “A3TTinee 7urriyyati ATTliKK Yadiyya” (أعطني حريتي أطلق يديّا.) أليس هذا مدهشاً، استعارة الأرقام والتأكيد على استخدام الحروف اللاتينية كتكملة لي!

لقد بلغت سعادتي ذروتها عندما علمت في شهر كانون ثاني 2006 عن إطلاق موقع عربي كلاسيكي نتيجة لجهود أشخاصٍ من جنسيات مختلفة التقوا معاً و"غاصوا داخلي" والتقطوا إحدى لآلئي—مصباح الحرية—لترويج التسامح والتحرر وحرية الرأي والريادية، ونشر كلمة الحرية بين أحفادي.

أضاء الله ليالي بني قومي بملايين "المصابيح" في كل خطوة يخطونها، لأني على يقين من أن الحياة ستكون جميلة عند الأخذ بنشاطات كهذه.

أنا، العربية، أستطيع أن أركن إلى سلامٍ الآن...

*فادي حدادين: محلل اقتصادي بمعهد كيتو في واشنطن العاصمة ورئيس تحرير "مصباح الحرية" التابع للمعهد. تم استلهام هذا المقال من نص كلاسيكي بعنوان: "أنا، قلم الرصاص." هذا المقال برعاية مصباح الحرية، www.misbahalhurriyya.org