شيعت مصر يوم الثلاثاء البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة القبطية الارثوذكسية المصرية الذي توفي يوم السبت عن 89 عاما. واحتشد ألوف المشيعين الذين اتشحوا بالسواد في الكتدرائية المرقسية وبها مقر البابا وسكنه في منطقة العباسية بشمال شرق القاهرة حيث أُقيم القداس الجنائزي.
وحضر القداس أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة -الذي يدير شؤون البلاد منذ أطاحت انتفاضة شعبية بالرئيس السابق حسني مبارك مطلع العام الماضي- ومسؤولون ومرشحون محتملون للرئاسة التي ستجرى انتخاباتها في مايو أيار وسياسيون ووفد من الفاتيكان وسفراء عرب وأجانب.
وكان رؤساء الكنائس القبطية الارثوذكسية في الخارج وممثلو كنائس أجنبية مختلفة توافدوا على مصر في الايام الماضية للمشاركة في الجنازة.
وقطعت السفيرة الامريكية في القاهرة آن باترسون عطلة في بلادها وعادت لحضور القداس.
وفي ختام القداس الذي تخلله بكاء نساء ورجال بينهم الملياردير نجيب ساويرس حمل أعضاء في المجمع المقدس النعش الذي ضم جثمان البطريرك رقم 117 للكنيسة القبطية الارثوذكسية الى خارج الكتدرائية لنقله الى قاعدة ألماظة الجوية في شرق العاصمة حيث أقلته طائرة عسكرية الى دير الانبا بيشوي بمنطقة وادي النطرون في الصحراء شمال غربي القاهرة حيث دفن.
وكان المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الاعلى للقوات المسلحة خصص طائرتين عسكريتين لنقل جثمان البابا ومرافقي الجثمان من الاساقفة الى مقر الدفن.
ولثلاثة أيام احتشد عشرات الالوف من رعايا الكنيسة والمسلمين في الكتدرئية وحولها لالقاء نظرة الوداع على البابا الذي نال احترام المصريين لحرصه على الوحدة الوطنية ورفضه زيارة القدس بعد معاهدة السلام مع اسرائيل إلا اذا أقيمت الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
وقالت الطالبة الجامعية المسلمة ايمان وقد وقفت خارج الكتدرائية مرتدية ملابس سوداء وقت القداس الجنائزي "أنا حزينة جدا طبعا وهناك أقارب كثيرين لي حزانى أيضا."
وأضافت "كان مصريا محترما وكان معروفا عنه الحكمة أيضا."
وفي وقت مبكر يوم الثلاثاء تجمع نحو ألفي شخص حول الكتدرائية محاولين الدخول لكن الزحام الشديد في داخلها حال دون ذلك ثم حاولوا المشاركة في الجنازة رغم الأطواق الأمنية التي أقامها الجيش والشرطة لتأمين الجنازة التي تعالت صرخات نساء خلالها.
وردد المحتشدون هتافات تقول "اوعى تقول البابا شنودة مات.. البابا شنودة في السموات" و"يا رب".
وقبل الجنازة حمل شبان وبنات لافتات خارج الكتدرائية كتبت عليها عبارات تقول "وداعا للاسد المرقسي" و"بطل المحبة والسلام البابا شنودة". ووضع شبان شارات سوداء على أذرعتهم كتبت عليها كلمة "حداد" باللوم الاحمر.
وأعلن المجلس الاعلى للقوات المسلحة الحداد يوم الثلاثاء في مصر التي يمثل المسيحيون نحو عشرة في المئة من سكانها الذين يزيد عددهم على 80 مليون نسمة.
وعلى مدى 40 عاما أمضاها البابا شنودة في رئاسة الكنيسة القبطية الارثوذكسية سعى لتهدئة التوتر الطائفي في مصر. ومن كلماته الاثيرة لدى المصريين "مصر ليست وطنا نعيش فيه وانما وطن يعيش فينا".
لكن المصاعب التي واجهته زادت بمقتل 23 مسيحيا في تفجير أمام كنيسة بمدينة الاسكندرية الساحلية في أولى ساعات أول أيام العام الماضي.
وقتل 25 مسيحيا حين منعت قوات الشرطة العسكرية نشطاء مسيحيين من تنظيم اعتصام أمام مبنى الاذاعة والتلفزيون في القاهرة في أكتوبر تشرين الاول العام الماضي.
وشهد العام الحالي أيضا صعود تيار الاسلام السياسي الذي هيمن على مجلسي الشعب والشورى وسط مخاوف من احتمال تطبيق الشريعة الاسلامية على مختلف مناحي الحياة في مصر. وسيكون على خليفة شنودة التعامل مع هذا الواقع السياسي الجديد في البلاد.
وترشح وسائل إعلام قبطية الانبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس وأسقف دمياط وكفر الشيخ ورئيس دير القديسة دميانة في بلقاس بدلتا النيل كأحد ثلاثة يمكن انتخابهم لاختيار خليفة شنودة من بينهم.
وفي العام المنصرم كثف نشطاء مسيحيون احتجاجاتهم رافعين مطالب من بينها تيسير بناء وترميم الكنائس. ومعظم المسيحيين في مصر أرثوذكس.
وأُقيم القداس الجنائزي بينما كان جثمان البابا الراحل مسجى في نعشه وعليه الزي البابوي الكامل وقد ظهر وجهه.
وأقام القداس الانبا باخوميوس مطران البحيرة (المحافظة التي يوجد بها دير الانبا بيشوي) ومطروح (محافظة في أقصى غرب مصر).
وكان الجثمان وبنفس الهيئة قد وضع على كرسي كنسي أثري على مدى اليومين الماضيين ليلقى ألوف المسيحيين النظرة الاخيرة عليه.
واحتشد أمام الكتدرائية لتأمين القداس الجنائزي ألوف من قوات الجيش والشرطة.
وقال هاني لطف الله (38 عاما) ويعمل محاسبا "نشعر بالخسارة الكبيرة للبلد. البابا شنودة كان وطنيا للغاية ونتمني أن يكون من يأتي بعده مثله."
وتنظم لائحة كنسية خلافة البابا وتجرى مراسم الخلافة على مدى نحو 60 يوما يختار طفل في مرحلتها الاخيرة ورقة من بين ثلاث ورقات بها أسماء أكثر الحاصلين على أصوات الناخبين من رجال الدين ورعايا الكنيسة الذين يضمهم المجلس الملي العام.
ويقال ان الاختيار الاخير الذي يقوم به الطفل يعبر عن مشيئة الله.
ولسنوات وقعت بين حين وآخر حوادث طائفية دامية في مصر تنوعت أسبابها بين بناء أو ترميم كنائس بدون ترخيص وتغيير الديانة وعلاقات بين رجال ونساء من الطائفتين.
ووسط تساؤلات عن توجه الكنيسة في السنوات المقبلة قال القس أنجلوس اسحق وهو كاهن كنيسة بمنطقة الساحل الشمالي غربي مدينة الاسكندرية ان كبار الأساقفة هم أتباع للبابا شنودة وانهم سيتبعون نهجه.
وحدد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات اقامة البابا شنودة في دير وادي النطرون عام 1981 لانتقاده معالجة الحكومة لعنف اسلاميين متشددين ضد مسيحيين في السبعينات ومعاهدة السلام التي أبرمتها مصر مع اسرائيل عام 1979 .
وأيَد البابا شنودة مبارك في الأيام الأخيرة له في الحكم قبل أن تطيح به انتفاضة في فبراير شباط 2011 وهو ما أثار انتقادات من بعض أعضاء الكنيسة الذين شاركوا في الاحتجاجات التي أسقطت مبارك.
وساند بعض رجال الدين المسلمين ايضا مبارك في أيامه الاخيرة.
