جمانة حداد
في مناسبة اليوم العالمي للمرأة السبت الفائت، رأينا في لبنان رجالاً يتجولون بالكعب العالي في أحد المراكز التجارية دعماً للمساواة؛ ورأينا، خصوصاً، آخرين يشاركون بكثافة في المسيرة العظيمة التي نظمتها جمعية "كفى" بعنوان "إذا بدّها شارع للتشريع نازلين"، احتجاجاً على العنف الممنهج الممارَس ضد المرأة.
من جهة أخرى، سمعنا أخيراً السيدة المصونة رندة بري تتحفظ عن القانون المتعلق بحماية المرأة من العنف الأسري، بحجة أنه لا يمكن إثبات الاغتصاب الزوجي. للأسف، ليست السيدة بري حالة نسائية استثنائية في هذا البلد. كثيرات هنّ مَلَكيات أكثر من الملك في مجال الدفاع عن النظام البطريركي، وترسيخ التمييز المقيت بين المواطنين والمواطنات، والنظر الى أنفسهن، والنساء الأخريات، من منظار الذكورية المشوَّه والمشوِّه، وتربية أولادهنّ على منطق الضعيفة والقوي، المطيعة والمحارب، الصامتة الصبورة والباطش الآمر الناهي.
أسمّي هؤلاء النساء "قبضايات آخر زمن". قبضايات بلا عضلات منفوخة، وبلا عضو ذَكَري، وبلا شَعرٍ على الصدر، لكنهنّ ينافسن الفحول في فحولتهم، والذكوريين في ذكوريتهم، ورجال الكهف في كهفيتهم.
في مقابل هذه السيدة القبضاية ومثيلاتها، يبرز رجالٌ من نوع جديد: رجال يدركون أن معركة المساواة إنسانيةٌ تتخطى الجندر؛ وأن الكرامة قضية شمولية تتجاوز وهم الفساتين وربطات العنق، والأدوار المنمّطة، وفرز البشر بين زهر وأزرق؛ وأن هذا البلد لن "يتحقق" طالما أن نصف مواطنيه مرذول ومهان ومحروم من أبسط حقوقه.
بطبيعة الحال، لا أسعى الى إطلاق تعميمات والقول إن الرجال "مناح" والنساء "عاطلات"، بل الى لفت النظر الى أن "المنيح" و"العاطل" موجود في الجنسين، وأن العدو الأشرس هو ذاك الذي نحمله في دواخلنا. يمكن النساء "البطريركيات" في هذا البلد أن يتعلمن درساً أو درسين من اولئك النبلاء الذين مشوا في تظاهرة يوم السبت الى جانب شريكاتهنّ وأمهاتهنّ وبناتهنّ صارخين: "زمن الذكورية انتهى... باي".
لا أعلم إذا كانت للسيدة بري بنات، ولا أعرف كيف تولّت تربيتهنّ إذا كانت قد رزقت فعلاً. ليس هذا شأني اصلاً. لكني لا أستطيع إلا أن أتساءل: ترى لو لجأت إليها إحدى بناتها وأخبرتها ان زوجها يغتصبها، ماذا كانت لتقول لها؟ "أصبري"؟ "تعوّدي"؟ "لا نستطيع أن نفعل شيئاً لأنه ليس لدينا برهان على ذلك سوى شعورك بالمذلة والانتهاك، وشعورك هذا ليس مهماً"؟
إذا كان يصعب إثبات الاغتصاب الزوجي، فالانحطاط العقلي، في المقابل، أوضح من نارٍ على علم.
- عن صحيفة "النهار" اللبنانية.
