نعالات ورايات وحلاوة ليل -علي السوداني

تاريخ النشر: 10 أبريل 2012 - 09:25 GMT
علي السوداني
علي السوداني

 

وهذه محاولة بطرانة بطرة جديدة لتبديل مسارات الأشياء .

 ألدنيا ليست بخير ، والعقل لم يعد بمكنته ، تحمّل زخات إضافية من اللغو . ألعالم يتضعضع ، والولدان والبنات ، تحدودب ظهورهم ، وتتكسر رقابهم ، فوق الشاشات الملونة ، التي تشيل النعم الجسدية الدسمة ، وتضعها في صوان من ذهب ، تحت أيمانهم ، وبعد تحريك مدفونات الغرائز النائمة ، سيكتشف الولد الولهان - بعد خراب القلب والكبد -  أنّ حبّه العذري المربوط معه على الجانب الثاني من مائدة " ألجات " إنما هو واحد ، وليس سارة ، أو نيفين ، أو كارمن ، ولا حتى فخرية الحفّافة الهلّاسة . وعلى درب جدتي المبروكة التي ما انفكت تلهج ، حتى قبل موتها بتسع دقائق ، أن المصائب ، بنات عمّ ، إن حضرت واحدة ، أتت بأخياتها مسحولات ، فلقد مررت اليوم بأربع مصائب ، كانت أخيرتهنّ ، هي إنقطاع ربطة نعالي من صوب الإصبع الكبرى .

قلت لنفسي ، أن لا تحزني ، فقد يكون الأمر مفتاح خير وبركة ، لا تستدعي تزييت نعل عتيق .

هبطتُ إلى سوق النعل المزروع في منطقة المخيم الفقيرة ، وعند أول خواصره ، وقعت على دكان عظيم ، يبيع المركوبات التي منها الجديد المسلفن ، وفيها المستعمل ، الذي تسميه رعية العراق ب " ألّلنكة " ففضّلت الجديد على العتيق ، في مسعى مخلص لنتف بعض ريش كآبة اليوم .

هنا تدعبلت وتعثّرت إيماناتي الرواسخ ، بمنظر لم أشفه من قبل ، إذ وجدت أن القنادر والنعل – جلّها – تتزيّن بالأعلام والرواسي التي كنَا نتجمَد قدّامها صبحية  " رفعة العلم " ونغني لها ، محفوظة " عش هكذا في علوٍ أيّها العلمُ .. فإنّنا بك بعد الله نعتصم .

تمعمع مخي وتبلبل حالي وداخت أسئلتي وتاهت قياساتي ، حتى قفز صوبي ، صاحب الدكان ، وسألني عن سر حيرتي وتمنّعي ، فشرحت له المسألة بأقل عدد ممكن من الحروف ، فضحك الرجل وناولني نعلاَ جميلاَ مرسومة فوقه ، راية برشلونة ، فنفرت من العرض بسبب من حبّي لميسّي العبقري .

 طلب منّي صاحب الدكان اللطيف ، أن أرحل بجولة في عمق الدكان ، علّني ألقى مهواي ومرادي ، ففعلت ذلك مستحيياَ ، وهناك لقيتُ أعلاماَ ورايات محترمة وقورة ، ملطوشة على بطون وسيور النعل ، فعفتها أجمعين ، وبينا كنت في دربي لأن أنقذف خارج الدكان ، فإذا بجسدي القائم كما رقم واحد ، يتسمّر قدّام نعل بديع مصنوع في بلاد الصين ، وعلى مؤخرته ، من وجهة الكعب ، كان العلم الأمريكي يشخر مع النجوم . هي اذن ، ثنائية جميلة ومريحة ، وقد تصادفت مع انفناء تسع سنين عجفاوات ، على غزو الأمريكان وراياتهم ، لبلادي الحبيبة ، وتدميرها وتفكيكها وإمراضها وسرطنتها ، وإهانتها وقتل ناسها ، وسجنهم وتشريدهم وتخريفهم وشرذمتهم ، وسرقة مالهم وحلالهم وتأريخهم وكراماتهم . ناديت الرجل الطيب ورجوته أن ينزل لي ، هذا النعال المدندل ، ففعل ذلك ، مبتسماَ مفرفشاَ مرتاحاَ . عدت الى الدار ، مزهوّاَ كما لو أنني حامل راية نصر كبير .

أجلس الليلة – كما هي الفائتات – وحيداَ . أسوق مائدتي بهدوء وحكمة . أُدخّن الأيام ، وأكرّز الصحب ، الذين ما انفكّوا يصيحون بي : يا عليّ ، إركب معنا ، فسفائننا محملة بالرز وبالذهب ، وبالعرض وبالطلب ، وعش ، وكل ، ووصوص ، فهذا زمان الموصوصين والموصوصات .

أصمتُ وأخفّف من جلبة كأسي ، فيأتيني من حزوز بعيدة ، صوت مغنّ رافديني عملاق ، حنجرته لا تشوبها شائبة أو شبهة . وصحبة كل عيطة من عياط المغني الملك ، معجونة بحروف بغداد ، أقوم أنا الذي صار مدخنة ، على حيلي ، وأدوس بقدمي التي صارت مثل جبل ، فوق نعالي الجديد .

[email protected]

عمّان حتى الآن