هدية الصباح المفعم بانتظار الغائبين.
وأجراس ما فتئت تقرع لراحلين،
وعشاق ضلوا الطريق، إلى مخادع النار..
ظلوا أبداً تماثيل من ثلج..
أفتح باب الشرفة، تفر يمامة أفزعها طارئ لم يفتح بابه للشمس منذ عهود.
تركت في قارورة ورد يبس وردها، بيضتين، أعوزهما الدفء في نهار الثلج والدنيا تضج بالزائر الغريب.
تعين أن أتراجع خطوتين، لعل اليمامة تؤوب إلى عش الورد الذابل، تبتهل في محراب أمومتها.
بقيت زمناً أراقب من خلف الزجاج، تتكسر على صفحته ندفات الثلج وزغب الذكريات، دون طائل.
وشيئا فشيئا انغمست في إعداد فنجان قهوتي، والحركة الأولى من السيمفونية الخامسة "القدر" لبيتهوفن وسجائري الأولى، وعبثي، وتعبي، وجنوني، وتمزقي، وسجني وحريتي.
فكرت.. وانأ منغمس في الضربات الأولى الأربع المتتابعة للسيمفونية، تلك التي وصفها بيتهوفن نفسه بأنها "ضربات القدر"، بان احضر قبضة من الحبوب من مطبخي، وانثرها على الشرفة، علها تساعد اليمامة في أداء مهمتها السامية، وتحمل مشقة البرد والصقيع.
شيء ما، أنساني الفكرة، بمجرد أن انخرطت في هاتف من العمل يستدعيني في هذا النهار المستحيل، لجولة أخرى من خرط الهراء.
..
في طريق عودتي كرجل ضل طريقه على خطى بطل "تحت سماء الجليد" لجاك لندن الذي لم ينجح في الوصول قط، تروزني تماثيل الثلج على امتداد الطريق، وتتهاوى . تذكرت اليمامة، ولمت نفسي طويلاً على نسيانها.
حال وصولي، غرفت من مخزوني الاستراتيجي للرز غرفة، وسارعت إلى الشرفة، فتحت الباب بحرص.. لحظة شاهدتها، تفيء دفئا على صغارها الآتين، فتملكني إحساس من امتلك الدنيا في غفلة من "القدر" والعسس وأرباب العمل.أحنيت قامتي، محاذراً أن أزعجها، ونثرت الرز على الشرفة، كأني انثر الثلج!.
انسحب بهدوء من المشهد.. ليتبقى الثلج......