غزة: مصطفى صيام
كتاب لا ينوي طي صفحاته، وقصة لا تنتهي... عنوانها " استهداف الأطفال الفلسطينيين على يد القناصة الإسرائيليين"، طرفاها جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح مختبئ بين أربع جدران اسمنتيه وطفل فلسطيني لا يملك سوى ملابسه ولربما حجر في يده, ذلك في أحسن الأحوال، وتبدأ المواجهة التي لا تنتهي بينهما و يكون عنوانها "مقتل طفل فلسطيني جراء إصابته برصاصة في رأسه على يد قناصة إسرائيلي " وهكذا تستمر القصة التي ليس لها نهاية.
في الوقت ليس بالبعيد كنا نكتب عن قصة استشهاد الطفلة رنا صيام التي قتلت برصاص أحد القناصة الإسرائيليين وهي جالسة مع أهلها في منزلها بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، وسبقتها الطفلة إيمان الهمص وغدير مخيمر وغيرهما، ولعل ما كتب عن هؤلاء الأطفال كان من حديث والديهما أو من كان معهما وقت الحادث، ولكن قصة الطفلين الذين أصيبا برفح أعادت ذكرى ما شاهده العالم أجمع في بداية الانتفاضة باستشهاد الطفل محمد الدرة.
تبدأ فصول القصة عند ما عرضته قناة الجزيرة في نشرات أخبارها حينما كان يحاول أحد الأطفال الفلسطينيين انتشال جثة الشهيد نضال أبو طير "20" عاماً التي كانت ملقاة أمام برج عسكري إسرائيلي في مدينة رفح، وبينما كان الطفل أيمن القصير "13" عاماً يهم لسحب الشهيد وكان يصرخ بصوته " بدي إسعاف" انطلقت رصاصة من الجندي المتواجد في البرج العسكري لتخترق ظهره وتخرج من بطنه ليقع بجانب الشهيد، وتبدأ رحلة المعاناة مع الطفل أيمن، ففي الوقت الذي كان فيه يحاول انتشال الشهيد، أصبح هذا الطفل يحتاج لمن ينقذه ويسحبه من مكان الخطر، وبدأ الطفل بالصراخ، لكي يسمعه أحد وينقذه، بالمقابل كان الجندي يطلق الرصاص والقنابل الصوتية لكي لا يسمع صوت الطفل، وتخويف من كان يتواجد بالمكان و سيحاول إنقاذه.
الطفل رائد غنام "16" عاماً لم ينتظر كثيرا ليشاهد زميله ملقى على الأرض ويحتاج المساعدة، فلم يرهبه إطلاق النار ولم يخيفه صوت القنابل القوية، ودخل المكان وحاول أن يحمل زميله ولكنه لم يستطع أيضاً، وبدأ هو الآخر يصرخ لعل وعسى أن يؤثر صراخه في ضمير الجندي ولكن دون جدوى، وبدل أن ينقذ زميله أصبح الطفل رائد هو الآخر يحتاج للمساعدة، فلم ينتظر الجندي الإسرائيلي كثيراً فقد أطلق رصاصة أخرى اخترقت يد الطفل نضال، وعادت القصة لبدايتها وأصبح هناك ثلاثة أطفال بحاجة للمساعدة.
هذه مجمل القصة التي شاهدناها على شاشات التلفزيون والتي تروى كيف أن الجيش الإسرائيلي لا يرحم الأطفال في فلسطين، ولكن هناك المئات من القصص التي تستهدف الأطفال بشكل وحشي ولم نراها...
محاكم إسرائيل تشجع قتل الأطفال:
بالرغم أن هذا الجندي الإسرائيلي يعرف أن ما يقوم به قد تم تصويره وسيعرض على شاشات التلفزة وسيلقى إدانة شديدة من كل العالم لكنه واصل فعلته، لأنه يستند على وقوف المحاكم الإسرائيلية بجانبه ويعرف أن عقوبته هي توقيفه عن العمل لمدة شهرين أو أكثر بقليل، أي أنه حصل على إجازة راحة من عمله.
ومحاكمة قاتل الطفلة إيمان الهمص خير دليل على ذلك فقد حكمت محكمة عسكرية إسرائيلية على الضابط الذي أفرغ رصاص رشاشه في جسد الطفلة الفلسطينية إيمان الهمص (13 عاما) بوقفه عن العمل " الخدمة " لمدة شهرين والبقاء داخل قاعدة عسكرية مع السماح له بالتنقل.
وأي كان الحكم الذي حكم به على الضابط فمن الذي سيحاكم قاتل ومصيب ومدمر ومعتقل ومجرف وهادم ومسبب الإعاقات والتشوهات في هؤلاء الأطفال؟! إن الأمر لا يتعلق في قاتل إيمان الهمص بل إن الأمر يتعلق بعقلية وتفكير جيش بأكمله, جيش لا يعرف الرحمة, يتلذذ بقتل الأطفال وتشويههم وتدمير مستقبلهم, جيش لا يتسم إلا بسمات الإرهاب والبشاعة.
امنتستي..جرائم حرب
جاء في تقرير منظمة حقوق الإنسان "أمنستي إنترناشيونال" للعام 2004، الذي نـُشر مؤخرا أن "الجيش الاحتلال الإسرائيلي قتل 600 فلسطيني، من بينهم أكثر من 100 طفل, قتِل معظمهم بصورة غير قانونية في حوادث إطلاق نار وعمليات قصف غير مسؤولة في مناطق سكنية مدنية، وعمليات اغتيال دون محاكمة، وجراء استخدام القوة على نحو مبالغ فيه ضدهم.
ويحتوي التقرير على انتقادات شديدة لأجهزة الأمن والحكومة الإسرائيلية، وذلك بسبب معاملتها للمواطنين الفلسطينيين وينصّ التقرير على أن: "بعض الخروقات التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي شكلت جرائم حرب، بما في ذلك عمليات قتل غير قانونية، منع تقديم المساعدة الطبية وإعاقة عمل العاملين في هذا المجال، تدمير الممتلكات بشكل غير مسؤول وعلى نطاق واسع، أعمال التعذيب واستخدام المدنيين ـ دروعًا بشريةـ ".
ويضيف تقرير أمنستي أن: "معظم الجنود الإسرائيليين وأفراد قوات الأمن لا يزالون يتمتعون بالحصانة من تقديمهم للمحاكمة. إن عمليات التحقيق وتوجيه الاتهامات والإدانة لم تحصل إلا في النادر. وعلى حد ما يدعيه الجيش الإسرائيلي، فقد تم توجيه الاتهامات إلى 61 جنديًا منذ بدء الانتفاضة في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2000. وفي القسم الأكبر من آلاف حالات القتل غير القانوني والانتهاكات السافرة الأخرى لحقوق الإنسان، لم يتناهى إلى علمنا بأنه تمّ إجراء أية تحقيقات في الموضوع ".